تستعد العلاقات الاقتصادية بين المغرب والصين لدخول مرحلة متقدمة، عقب إعلان بكين إلغاء الرسوم الجمركية على واردات 53 دولة إفريقية، من بينها المملكة، ابتداء من شهر ماي المقبل. خطوة لا تقتصر على بعدها التجاري، بل تحمل رهانات استراتيجية في سياق عالمي يتسم بإعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصادي وتحوّل سلاسل الإمداد.
ويأتي هذا القرار بعد أن كانت الصين تمنح امتياز الإعفاء لـ33 دولة إفريقية فقط، قبل توسيعه ليشمل كافة شركائها الدبلوماسيين في القارة، في إطار سعيها لترسيخ موقعها كأكبر شريك تجاري لإفريقيا، وتعزيز حضورها عبر مبادرة مبادرة الحزام والطريق.
– شراكة تتعزز منذ 2016
يرى الخبير في العلاقات المغربية الصينية ناصر بوشيبة أن المغرب يعد من أبرز المرشحين للاستفادة من هذه الخطوة، انسجامًا مع توجهه نحو تنويع شركائه الاقتصاديين وبناء علاقات قائمة على المنفعة المتبادلة.
ويؤكد أن نقطة التحول في العلاقات الثنائية تعود إلى الزيارة الملكية إلى الصين سنة 2016، التي أعطت دفعة قوية للتعاون بين البلدين، بعدما كانت الصادرات المغربية إلى السوق الصينية لا تتجاوز 300 مليون دولار قبل ذلك التاريخ.
العلاقات، بحسب بوشيبة، لم تبق حبيسة المبادلات التجارية، بل امتدت إلى مجالات سياسية وثقافية، حيث يفوق عدد الطلبة المغاربة في الجامعات الصينية عشرة آلاف طالب. كما تشمل الشراكة الاستراتيجية قطاعات واعدة، مثل صناعة السيارات الكهربائية والبطاريات، وهي مجالات مرشحة لنمو متسارع خلال السنوات المقبلة.
– من تصدير المواد الخام إلى التصنيع
ويمثل السوق الصيني، الذي يضم أكثر من 1.4 مليار نسمة، فرصة كبيرة أمام المنتجات المغربية، خاصة الفلاحية والبحرية ومشتقات الفوسفاط. غير أن الرهان الحقيقي، وفق الخبراء، يكمن في الانتقال من تصدير المواد الأولية إلى منتجات مصنّعة ذات قيمة مضافة أعلى.
ففي القطاع الفلاحي، على سبيل المثال، يصبح تصدير العصائر والمنتجات المحوّلة أكثر جدوى من تصدير الفواكه الخام، كما يمكن لقطاع النسيج والألبسة استكشاف موطئ قدم داخل السوق الصينية، في ظل التحولات التي تعرفها سلاسل الإنتاج العالمية.
لكن الولوج إلى هذه السوق يظل مشروطًا بالامتثال لمعايير صارمة تتعلق بالجودة والسلامة الصحية، قد تفوق أحيانًا تلك المعتمدة في الاتحاد الأوروبي، ما يفرض على المصدرين المغاربة رفع تنافسيتهم وتحسين منظومات الإنتاج والتتبع.

– موقع جيو-اقتصادي متميز
من جانبه، يعتبر الخبير الاقتصادي بدر الزاهر الأزرق، أستاذ بجامعة جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن الاستفادة من الإعفاءات الجديدة رهينة بحسن توظيفها ضمن رؤية استراتيجية شاملة.
ويشير إلى أن الموقع الجغرافي للمغرب، واتفاقياته التجارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، يمنحانه مكانة فريدة كمنصة للتقاطع بين فضاءات اقتصادية كبرى، وهو ما قد يجعل منه شريكًا جذابًا للصين في إعادة توجيه السلع نحو الأسواق الأوروبية.
ويتوقع الأزرق تسجيل ارتفاع في حجم المبادلات الثنائية خلال السنوات المقبلة، غير أن ذلك لن يكون تلقائيًا، بل مرتبطًا بجملة من العوامل السياسية والاقتصادية، في مقدمتها إعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية في ظل التوترات التجارية، خصوصًا بين بكين وواشنطن.
– توازن دقيق بين القوى الكبرى
رغم الدينامية المتوقعة، يظل العجز التجاري لصالح الصين تحديًا قائمًا، إلى جانب المنافسة من دول إفريقية أخرى مشمولة بالإعفاءات ذاتها. كما أن المبادلات المغربية ما تزال موجهة أساسًا نحو الاتحاد الأوروبي بنسبة تتراوح بين 60 و70 في المائة.
ويرى الأزرق أن المغرب تمكن حتى الآن من الحفاظ على توازن محسوب بين شراكته مع الصين وعلاقاته التقليدية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، مشددًا على أن أي انفتاح أكبر على السوق الصينية ينبغي أن يتم ضمن تدبير استراتيجي يحفظ تنوع الشركاء ويصون الالتزامات الدولية.
– إفريقيا كساحة تنافس مفتوح
في المحصلة، يعكس القرار الصيني تحوّل إفريقيا إلى فضاء تنافسي بين القوى الكبرى، في ظل احتدام الصراع الاقتصادي بين بكين وواشنطن. وتسعى الصين إلى تعزيز حضورها ليس فقط كممول للبنيات التحتية، بل كسوق مفتوحة أمام المنتجات الإفريقية، في مواجهة مبادرات غربية مماثلة.
وبين الفرص والتحديات، تبدو المملكة أمام لحظة مفصلية: إما تحويل الامتياز الجمركي إلى رافعة تنموية حقيقية، أو الاكتفاء بدور المصدر التقليدي للمواد الخام. والرهان، في النهاية، هو القدرة على توظيف هذا التحول الجيو-اقتصادي لخدمة السيادة الاقتصادية وتعزيز القيمة المضافة الوطنية.