القنب “البلدي” يدخل مختبرات البحث… من زراعة تقليدية إلى رافعة للأمن الغذائي
بينما يواصل المغرب تنزيل ورش تقنين الاستعمالات المشروعة للقنب الهندي، بدأت ثمار مسار بحثي وطني، انطلق قبل سنوات، تكشف عن آفاق جديدة لهذه النبتة بعيدا عن استعمالاتها المتعارف عليها.
فقد نجح باحثون مغاربة في تحويل بذور القنب “البلدي” إلى موضوع ابتكار علمي يستهدف رفع القيمة الغذائية للبيض واللحوم، واضعين المملكة ضمن الدول التي تراهن على “الذهب الأخضر” كمورد داعم للأمن الغذائي وتحسين جودة الإنتاج الحيواني.
– مشروع سابق لمرحلة التقنين
وأوضح البروفيسور أحمد العمراني، المشرف على فريق البحث بمختبر LAPABE التابع لـجامعة محمد الأول بوجدة، أن المشروع انطلق سنة 2020، أي قبل إحداث الوكالة الوطنية لتقنين الأنشطة المرتبطة بالقنب الهندي، بدعم من المركز الوطني للبحث العلمي والتقني والوكالة الوطنية للنباتات الطبية والعطرية، واستمر إلى غاية 2025 بعد خمس سنوات من التجارب المخبرية والتطبيقية.
– من “FISA-Dawajine” إلى الميدان
النتائج التطبيقية الأولى قُدمت خلال الدورة 24 من FISA-Dawajine 2023، حيث برز المشروع كنموذج يربط البحث العلمي بالتنمية الفلاحية.
ولا يتعلق الأمر فقط بإحلال مكون علفي محل آخر، بل بإعادة بناء سلسلة القنب “البلدي” كمجال اقتصادي متكامل، يخلق قيمة مضافة تمتد من الحقول إلى الصناعات الغذائية والتحويلية.
– شراكة علمية متعددة الأطراف
اعتمد المشروع على تعاون بين مختبر LAPABE، والمعهد الملكي للتقنيين المتخصصين في تربية المواشي بالفوارات بالقنيطرة، والوكالة الوطنية للنباتات الطبية والعطرية بتاونات.
الرهان كان اختبار إمكانية تعويض جزء من الذرة في أعلاف الدواجن ببذور القنب البلدي، مع قياس الأثر على النمو والمردودية وجودة المنتجات الحيوانية، بدعم وتأطير من جامعة محمد الأول بوجدة.
– بيض أغنى… ولحوم بجودة أفضل
التجارب شبه الصناعية على الدجاج البياض ودجاج اللحم أظهرت نتائج مشجعة، إذ تم تسجيل:

ارتفاع في نسبة الأحماض الدهنية غير المشبعة، خاصة أوميغا 3 وأوميغا 6.
زيادة في محتوى التوكوفيرولات (مضادات الأكسدة).
تحسن واضح في البروفيل الدهني للحوم.
كما بيّنت النتائج انتقال الدهون الصحية من بذور القنب إلى صفار البيض، ما يعزز القيمة الغذائية للمنتج النهائي.
وأشارت الأبحاث أيضا إلى أن المركبات الحيوية النشطة في القنب “البلدي” قد تلعب دور محفزات نمو طبيعية، بما يساهم في تقليص الاعتماد على المضادات الحيوية في الإنتاج الحيواني، انسجاما مع التوجهات الدولية.
– بحث جيني وتطبيقات صناعية واعدة
المشروع لم يقتصر على التغذية الحيوانية، بل شمل دراسة التنوع الجيني للقنب البلدي في أربع مناطق بالريف عبر تقنيات التنميط الجيني، إضافة إلى تطوير طرق استخلاص زيوت البذور وتحليل خصائصها الفيزيائية والكيميائية.
كما تم تحديد جزيئات حيوية ذات إمكانات تطبيقية في مجالي مستحضرات التجميل والعناية بالبشرة.
وأسفر هذا المسار البحثي عن مناقشة أربع أطروحات دكتوراه بين 2023 و2025، ونشر أكثر من عشرين مقالا علميا دوليا.
– من بقايا مهملة إلى مورد استراتيجي
ينطلق هذا الابتكار من إعادة النظر في ما كان يعتبر منتجات ثانوية لنبتة الكيف، مثل البذور والسيقان والجذور، التي لم تكن تحظى بقيمة اقتصادية تذكر.
اليوم، ومع ترخيص زراعة القنب في مناطق من الريف، تبرز إمكانية تثمين هذه المكونات ضمن سلسلة إنتاج متكاملة، خاصة أن التجربة المغربية اعتمدت على بذور “بلدية” مزروعة محليا بخصائص وراثية وكيميائية مميزة، خلافا لتجارب دولية اعتمدت على القنب الصناعي المستورد أو بذور الكتان.
هكذا يتحول القنب “البلدي” من منتج تقليدي محدود الاستعمال إلى رافعة علمية واقتصادية تحمل وعودا غذائية وصناعية جديدة.