إسبانيا بين «مغربية الصحراء» وجوازات السفر للصحراويين: وماذا عن أحفاد الموريسكيين؟

م.ب

مدريد – NRT NEWS

في تطور سياسي وقانوني لافت، أعطى مجلس النواب الإسباني، اليوم الخميس، الضوء الأخضر لمشروع قانون يفتح الطريق أمام منح الجنسية الإسبانية للصحراويين الذين وُلدوا في الصحراء الغربية خلال فترة الإدارة الإسبانية، وكذلك لفئات من أبنائهم وأحفادهم.

وتتحدث تقديرات إعلامية عن إمكانية استفادة عشرات الآلاف، بل قد يصل العدد في بعض التقديرات إلى نحو 200 ألف شخص، بينما تقدم مصادر أخرى أرقامًا أقل بحسب شروط الاستفادة. ويؤكد المشروع أن الأمر يتعلق بما يسمى «إصلاحًا تاريخيًا» واستعادة حقوق مرتبطة بالماضي الإسباني للصحراء. ولا يزال النص بحاجة إلى المرور عبر مجلس الشيوخ حتى يصبح قانونًا نافذًا.

  • لكن القرار يطرح سؤالًا سياسيًا وتاريخيًا لا يمكن تجاهله:

كيف يمكن لإسبانيا أن تدعم، منذ سنة 2022، المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل قضية الصحراء، أي في إطار السيادة المغربية، ثم تفتح في الوقت نفسه طريقًا استثنائيًا نحو الجنسية الإسبانية لعدد كبير من الصحراويين وأحفادهم؟

  • المفارقة لا تنتهي هنا

فإسبانيا سبق أن فتحت طريقًا استثنائيًا للجنسية أمام اليهود السفارديم، باعتبار ذلك شكلًا من أشكال الاعتراف بظلم تاريخي تعرض له اليهود الذين أُجبروا على مغادرة إسبانيا.

أما الموريسكيون، وهم المسلمون الذين تعرضوا للتهجير والطرد من الأندلس خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فقد ظل مطلب الاعتراف بحقوق أحفادهم في الجنسية الإسبانية دون استجابة مماثلة.

  • والأهم أن هذه المطالب ليست جديدة

فقد طرحت جهات سياسية ومدنية في إسبانيا منذ سنوات فكرة منح أحفاد الموريسكيين امتيازًا قانونيًا شبيهًا بما حصل عليه السفارديم. وفي سنة 2006 طُرحت في البرلمان الأندلسي مبادرة لتسهيل حصول أحفاد الموريسكيين على الجنسية الإسبانية، كما عادت المطالب إلى الواجهة في السنوات اللاحقة.

وهنا يبرز السؤال الذي يستحق أن يُطرح على الحكومة والبرلمان الإسبانيين:

إذا كانت إسبانيا قادرة على الاعتراف بمظالم تاريخية عمرها قرون بالنسبة إلى فئات معينة، وقادرة اليوم على سن تشريع استثنائي يتعلق بالصحراويين، فلماذا لم تُفتح إلى الآن آلية قانونية مماثلة لأحفاد الموريسكيين الذين تعود جذورهم إلى الأندلس؟

لا يتعلق الأمر بالمطالبة بامتياز مجاني، ولا بإعادة كتابة التاريخ، وإنما بطرح مبدأ واحد:

  • هل يجب أن تكون العدالة التاريخية واحدة للجميع؟

إن أبناء الموريسكيين الذين يعيشون اليوم في المغرب والجزائر وتونس وليبيا وبلدان أخرى لا يطالبون بإعادة الأندلس، ولا بتغيير الحدود، وإنما يطرح بعضهم مسألة الاعتراف برابطة تاريخية وثقافية وإنسانية عمرها قرون.

350 * 350

وفي المقابل، فإن التشريع المتعلق بالصحراويين يستند إلى علاقة أحدث بكثير، تعود إلى فترة الإدارة الإسبانية للصحراء خلال القرن العشرين، وإلى أشخاص كانت لهم صلات ووثائق مرتبطة بالإدارة الإسبانية آنذاك. ولهذا فإن المقارنة القانونية ليست مطابقة، خصوصًا أن إثبات النسب الموريسكي بعد أربعة قرون يمثل تحديًا كبيرًا.

لكن الصعوبة التقنية لا تعني استحالة الحل السياسي والتشريعي.

بل يمكن لإسبانيا، إذا أرادت، أن تضع آلية واضحة لإثبات الأصل، كما فعلت في ملفات تاريخية أخرى، بدل أن يبقى ملف الموريسكيين خارج أجندة العدالة التاريخية.

واللافت أكثر هو أن القرار المتعلق بالصحراويين يأتي في ظرف سياسي حساس جدًا بين مدريد والرباط.

فإسبانيا غيّرت موقفها سنة 2022، وأصبحت تعتبر المبادرة المغربية للحكم الذاتي «الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» لتسوية النزاع، في تحول كبير عن موقفها السابق.

ومن هنا تأتي المفارقة التي ستثير بلا شك نقاشًا واسعًا في المغرب:

إذا كانت مدريد تتعامل سياسيًا مع مستقبل الصحراء في إطار الحل المغربي للحكم الذاتي، فهل يشكل منح الجنسية الإسبانية لفئات واسعة من الصحراويين وأحفادهم اعترافًا بحقوق فردية مرتبطة بالتاريخ الإسباني، أم أنه قد يُفهم سياسيًا على أنه تكريس لهوية منفصلة؟

المشروع نفسه يحاول الفصل بين المسألة الوطنية والمسألة السياسية، ويقدم الجنسية باعتبارها «إصلاحًا تاريخيًا» وليس موقفًا جديدًا من السيادة على الصحراء.

لكن السؤال الأوسع يبقى قائمًا:

ماذا عن الموريسكيين؟

أليس من حق أحفاد أولئك الذين كانوا جزءًا من تاريخ الأندلس أن يسألوا بدورهم:

إذا كانت إسبانيا تفتح اليوم أبواب الجنسية أمام أحفاد من عاشوا تحت الإدارة الإسبانية في القرن العشرين، فلماذا لم تفتح حتى الآن نقاشًا جديًا حول أحفاد من عاشوا في الأندلس قبل قرون، ثم أُخرجوا منها قسرًا؟

قد تختلف الملفات تاريخيًا وقانونيًا، وهذا أمر يجب الاعتراف به.

لكن العدالة التاريخية، إذا أريد لها أن تكون مبدأً عامًا، ينبغي ألا تتحول إلى امتياز يُمنح لفئة ويُحرم منه آخرون دون نقاش واضح وشفاف.

ويبقى السؤال مفتوحًا أمام مدريد:

هل ستأتي يومًا مبادرة إسبانية حقيقية لإنصاف أحفاد الموريسكيين، أم سيظل تاريخ الأندلس حاضرًا في الكتب، وغائبًا عن قوانين الجنسية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.