لم يعد موقف الاتحاد الأوروبي من قضية الصحراء يقتصر على التأكيد العام على دعم المسار الذي تقوده الأمم المتحدة، بل بات يتضمن عناصر أكثر تحديداً بشأن الأساس الذي ينبغي أن تنطلق منه المفاوضات. فقد جددت المفوضية الأوروبية، على لسان ممثلتها السامية للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، دعمها للمسار الأممي مع التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب تشكل أساساً للمفاوضات السياسية.
وجاء هذا الموقف خلال مباحثات جمعت كالاس بوزير الخارجية ناصر بوريطة، في سياق تشهد فيه العلاقات المغربية الأوروبية زخماً متزايداً، وبعد أن أكد الاتحاد الأوروبي في يناير 2026 موقفاً منسجماً مع قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025.
- من دعم المسار الأممي إلى تحديد قاعدة التفاوض
جوهر التطور في الموقف الأوروبي يكمن في أن الاتحاد لا يطرح الحكم الذاتي باعتباره نتيجة محسومة للنزاع، وإنما باعتباره الأساس الذي ينبغي أن تستند إليه المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة.
وبحسب البيان الأوروبي المشترك، يدعم الاتحاد جهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثه الشخصي من أجل تسهيل المفاوضات وإجرائها على أساس المقترح المغربي، بهدف الوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، ومتوافق مع ميثاق الأمم المتحدة.
كما اعتبر الاتحاد أن الحكم الذاتي الحقيقي يمكن أن يمثل نتيجة من أكثر النتائج قابلية للتحقق، داعياً الأطراف إلى تقديم أفكار ومقترحات تساعد على الوصول إلى تسوية سياسية نهائية ومقبولة.
وهنا تكمن أهمية الموقف الجديد: فالاتحاد الأوروبي يجمع بين عنصرين في آن واحد، هما الحفاظ على الإطار الأممي والمفاوضات بين الأطراف، وتحديد مبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها قاعدة أساسية لهذا المسار.
- المغرب أمام مرحلة توضيح تفاصيل المقترح
الجانب الآخر من التطور يتمثل في ترحيب الاتحاد الأوروبي باستعداد المغرب للانخراط مع الأطراف المعنية من أجل توضيح ترتيبات خطة الحكم الذاتي وشرح الكيفية التي يمكن أن تأخذ بها شكلاً عملياً في إطار السيادة المغربية.

ويعني ذلك أن النقاش الدبلوماسي لا يقتصر على المبدأ العام للمبادرة، وإنما يتجه أيضاً نحو مضمونها وآليات تطبيقها، وهو ما يفتح المجال أمام نقاش أكثر تفصيلاً حول طبيعة الصلاحيات والترتيبات التي يمكن أن يتضمنها نموذج الحكم الذاتي.
- قرار مجلس الأمن يشكل الإطار المرجعي
ويأتي الموقف الأوروبي في سياق القرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن، والذي يستند إليه الاتحاد في تحديد موقفه من الملف.
وبذلك، يربط الاتحاد الأوروبي موقفه بشأن الحكم الذاتي بالمسار الأممي، وليس بمسار منفصل عنه، مع تأكيده الاستعداد للمساهمة في تيسير المشاورات بين الأطراف ودعم جهود المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة.
- دلالة الموقف على العلاقات المغربية الأوروبية
ولا يمكن فصل هذا التطور عن المسار الأوسع للعلاقات بين الرباط وبروكسل. فقد أكد الطرفان خلال لقاءات رسمية متتالية رغبتهما في الارتقاء بالشراكة الثنائية إلى مستوى أكثر شمولاً واستراتيجية، مع توسيع التعاون في مجالات الأمن والهجرة والتجارة والاستثمار والطاقة وغيرها.
وفي هذا السياق، يكتسب ملف الصحراء أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، بينما ينظر الاتحاد الأوروبي إلى علاقته مع الرباط باعتبارها شراكة استراتيجية مرتبطة أيضاً باستقرار المنطقة المتوسطية والأمن والهجرة والتعاون الاقتصادي.
وبالتالي، فإن تجديد الموقف الأوروبي بشأن الحكم الذاتي لا يمثل فقط إعادة تأكيد لموقف دبلوماسي سابق، بل يعكس ترسيخاً لمقاربة أوروبية تربط تسوية النزاع بالمسار الأممي، مع جعل المبادرة المغربية نقطة انطلاق للمفاوضات.
ويبقى الحسم النهائي للملف مرتبطاً بالمسار الذي تقوده الأمم المتحدة وبمدى قدرة الأطراف على الانخراط في مفاوضات تفضي إلى حل سياسي متوافق عليه، وفق الإطار الذي حدده مجلس الأمن.