المغرب يستقبل بعثة فلاحية أمريكية لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات الزراعية

م.ب

يستعد المغرب لاستقبال بعثة فلاحية أمريكية تضم منتجين ومزارعين ورجال أعمال ومسؤولين محليين، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام الأمريكي بالسوق الزراعية المغربية وبالمؤهلات التي يتيحها موقع المملكة كحلقة وصل بين الأسواق الإفريقية والأوروبية والشرق أوسطية. وتأتي هذه الزيارة في سياق يشهد تنامياً في المبادلات الفلاحية بين البلدين، بالتزامن مع مستجدات مرتبطة بتجارة الأسمدة الفوسفاطية المغربية في السوق الأمريكية.

ومن المرتقب أن يحل الوفد الأمريكي بالمغرب والبرتغال خلال الفترة الممتدة من 30 غشت الجاري إلى 4 شتنبر المقبل، في إطار بعثة ترمي إلى تعزيز وتسهيل التجارة الثنائية في القطاع الزراعي بين الولايات المتحدة الأمريكية والبلدين، بتنظيم من تحالف تقديم شهادات الهوية للمنتجات الزراعية في الولايات المتحدة، المعروف اختصاراً بـ”USIP Alliance”.

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الوفد الذي يضم فاعلين من عدد من الولايات الأمريكية، بينهم أعضاء في تحالف ترويج فول الصويا بولاية مينيسوتا، إلى جانب مزارعين من ولايتي ويسكونسن وأوهايو، فضلاً عن مسؤولين في الحكومات المحلية لهذه الولايات.

جولة ميدانية لاستكشاف إمكانات السوق المغربية

ومن المنتظر أن تشمل أجندة البعثة الأمريكية جولات استطلاعية في عدد من المنشآت والبنيات اللوجستية المغربية، ولا سيما ميناء الدار البيضاء وميناء طنجة المتوسط، بما يتيح للوفد الاطلاع عن قرب على قدرات المملكة في مجال الاستيراد والتخزين وإعادة التصدير والخدمات اللوجستية المرتبطة بالتجارة الزراعية.

ولا تقتصر أهمية هذه الزيارة على الجانب التجاري المباشر، إذ يُنتظر أن تفتح المجال أمام نقاشات أوسع بشأن سلاسل الإمداد، وتطوير المنتجات الزراعية، والخدمات اللوجستية، والمعالجة ذات القيمة المضافة، فضلاً عن فرص الولوج إلى أسواق إقليمية واعدة.

ويستند هذا الاهتمام، بشكل أساسي، إلى الموقع الجغرافي للمغرب وعلاقاته التجارية المتنوعة، إضافة إلى ارتباطه بالولايات المتحدة الأمريكية باتفاقية للتجارة الحرة، وهو ما يوفر إطاراً ملائماً لتعزيز المبادلات والاستثمار في عدد من القطاعات ذات الصلة بالفلاحة والصناعات الغذائية.

منتجات فلاحية أمريكية تجد لها موطئ قدم في المغرب

ويُعد المغرب من الأسواق المهمة بالنسبة إلى عدد من المنتجات الزراعية الأمريكية، خصوصاً حبوب الأعلاف والبقوليات والأرز والدواجن ولحوم الأبقار ومنتجات الألبان، إلى جانب فول الصويا ومشتقاته.

ويبرز فول الصويا بشكل خاص ضمن المنتجات التي تحظى باهتمام في المبادلات التجارية بين البلدين، إذ صُنّف المغرب خلال الموسم الزراعي 2024/2025 عاشر أكبر سوق لمسحوق فول الصويا الأمريكي، بقيمة بلغت نحو 180 مليون دولار.

وتعكس هذه الأرقام وجود طلب مغربي على مجموعة من المنتجات الزراعية الأمريكية، كما تكشف في المقابل عن إمكانات أوسع أمام تطوير المبادلات الثنائية، خصوصاً في ظل الحاجة المتزايدة إلى تنويع مصادر التموين وتعزيز أمن الإمدادات الغذائية.

ومن شأن الزيارة المرتقبة أن توفر فرصة للفاعلين الأمريكيين للتعرف بشكل مباشر على حاجيات السوق المغربية، وفهم طبيعة المنظومة اللوجستية والتجارية بالمملكة، إلى جانب بحث إمكانات توسيع نطاق المنتجات المتبادلة بين الجانبين.

الأسمدة الفوسفاطية تعزز البعد الاستراتيجي للعلاقات الزراعية

350 * 350

وتأتي زيارة الوفد الأمريكي في ظرفية تحظى فيها الأسمدة الفوسفاطية المغربية باهتمام متزايد داخل السوق الأمريكية، خاصة بعد قرار إدارة الرئيس دونالد ترامب تعليق الرسوم المضادة للإغراق والرسوم التعويضية المفروضة على الأسمدة الفوسفاطية المستوردة من المغرب لمدة ثمانية أشهر.

ويكتسي هذا القرار أهمية بالنسبة إلى المزارعين الأمريكيين، بالنظر إلى حاجة السوق الأمريكية إلى إمدادات مستقرة من الأسمدة، في ظل الضغوط التي عرفتها السوق وتزايد تكاليف الإنتاج الزراعي.

وقد رحبت جمعية الصويا الأمريكية بالقرار، معتبرة أن تعليق الرسوم من شأنه أن يوفر دعماً مهماً لمزارعي فول الصويا وغيرهم من المنتجين الزراعيين الذين يواجهون هوامش ربح محدودة وتكاليف إنتاج مرتفعة.

كما اعتبرت الجمعية أن تسهيل دخول الأسمدة الفوسفاطية المغربية إلى السوق الأمريكية يمكن أن يساهم في تعزيز وفرتها وتشجيع المنافسة السعرية، بما قد ينعكس إيجاباً على تكاليف الإنتاج وهوامش ربح المزارعين.

أول شحنة بعد تعليق الرسوم

وفي مؤشر عملي على عودة الأسمدة الفوسفاطية المغربية إلى السوق الأمريكية، أعلنت شركة “OCP نورث أمريكا” وصول أول ناقلة محملة بأسمدة فوسفاطية مغربية الصنع إلى ميناء نيو أورلينز، وذلك بعد قرار تعليق الرسوم المفروضة على هذه المنتجات.

وكانت الناقلة تحمل نحو 54 ألف طن من مادة “التريبل سوبر فوسفات”، وهي شحنة موجهة مباشرة إلى المزارعين الأمريكيين، في توقيت يتزامن مع الاستعداد للموسم الزراعي الخريفي.

ويعكس وصول هذه الشحنة أهمية السوق الأمريكية بالنسبة إلى قطاع الأسمدة المغربي، كما يبرز في المقابل حاجة المزارعين الأمريكيين إلى مصادر موثوقة وتنافسية للأسمدة، خصوصاً في ظل ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية.

وأكد كيفن كيم، الرئيس التنفيذي لشركة “OCP نورث أمريكا”، أن الشحنة تعكس التزام الشركة بتزويد السوق الأمريكية باحتياجاتها، مشيراً إلى أن التعليق المؤقت للرسوم سمح للأسمدة الفوسفاطية المغربية بالعودة إلى السوق، مع التركيز على تعزيز الإمدادات وضمان وصولها إلى المزارعين في الوقت المناسب.

نحو شراكة زراعية أكثر اتساعاً

وتحمل زيارة البعثة الفلاحية الأمريكية إلى المغرب مؤشرات على إمكانية انتقال التعاون الزراعي بين البلدين إلى مستويات أكثر تنوعاً، بحيث لا يقتصر على المبادلات التجارية للمنتجات، بل يمتد إلى الخدمات اللوجستية والتصنيع الغذائي والاستثمار وتبادل الخبرات.

كما أن حضور مزارعين ورجال أعمال ومسؤولين من عدد من الولايات الأمريكية يمنح الزيارة طابعاً عملياً، إذ تتيح للفاعلين من الجانبين فرصة التعرف على احتياجات الأسواق وبحث إمكانات بناء علاقات تجارية أكثر استدامة.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن استقطاب فاعلين أمريكيين في المجال الزراعي ينسجم مع توجه المملكة نحو تعزيز موقعها كمنصة تجارية ولوجستية تربط بين عدة فضاءات اقتصادية. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن السوق المغربية توفر فرصاً مهمة لتوسيع صادرات المنتجات الزراعية، والاستفادة من موقع المملكة وعلاقاتها التجارية المتعددة.

وبذلك، تبدو البعثة الأمريكية المرتقبة أكثر من مجرد زيارة مهنية عابرة، إذ تأتي في سياق اقتصادي وتجاري قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون المغربي الأمريكي في المجال الزراعي، تجمع بين تبادل المنتجات، وتأمين سلاسل الإمداد، وتعزيز الاستثمارات، وتطوير الشراكات التجارية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.