في وقت تتجه فيه التجارة العالمية نحو مزيد من التوتر وعدم اليقين، بفعل تصاعد الرسوم الجمركية والسياسات الحمائية التي تعيد رسم خريطة المبادلات الدولية، تسعى كوريا الجنوبية إلى توسيع شبكة شركائها التجاريين والبحث عن أسواق جديدة تضمن لشركاتها منافذ أكثر أماناً واستقراراً. وفي هذا السياق، يبرز المغرب كأحد أبرز البلدان التي تراهن عليها سيول لتعزيز حضورها الاقتصادي في القارة الإفريقية.
وتتجه كوريا الجنوبية إلى إطلاق مفاوضات للتوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة مع المغرب، إلى جانب مصر، باعتبارهما بوابتين استراتيجيتين نحو الأسواق الإفريقية، في خطوة تعكس الأهمية المتزايدة التي توليها سيول للمملكة وموقعها الاقتصادي والجغرافي.
وتنظر كوريا الجنوبية إلى المغرب باعتباره شريكاً ذا مؤهلات خاصة، ليس فقط بسبب موقعه الاستراتيجي، وإنما أيضاً بفضل شبكة الاتفاقيات التجارية التي تربطه بعدد من الأسواق الكبرى، وفي مقدمتها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.
ومن شأن التوصل إلى اتفاق للتجارة الحرة بين الرباط وسيول أن يمنح الشركات الكورية فرصة أكبر للاستفادة من المغرب كقاعدة للإنتاج والتصدير، بما يتيح لها الوصول إلى أسواق واسعة في أوروبا وأمريكا، فضلاً عن الاستفادة من موقع المملكة كبوابة نحو القارة الإفريقية.
- سيول توسع شبكة اتفاقياتها التجارية
وتأتي المفاوضات المرتقبة مع المغرب ضمن توجه أوسع للحكومة الكورية الجنوبية يرمي إلى إعادة ترتيب وتوسيع شبكة اتفاقيات التجارة الحرة، في ظل اعتماد الاقتصاد الكوري بدرجة كبيرة على الأسواق الخارجية.
وتسعى سيول إلى بدء أو استئناف مفاوضات تجارية مع عدد من الدول والتجمعات الاقتصادية، من بينها المغرب ومصر والأرجنتين والأوروغواي والمكسيك وتنزانيا، إضافة إلى تجمع ميركوسور، أحد أبرز التكتلات الاقتصادية في أمريكا الجنوبية.
وفي موازاة ذلك، أطلقت كوريا الجنوبية مفاوضات جديدة مع تايلاند وباكستان، بينما تواصل تطوير اتفاقياتها التجارية القائمة مع شركاء اقتصاديين كبار، من بينهم الصين والهند وسنغافورة، إلى جانب دول رابطة جنوب شرق آسيا “آسيان”.
وتأتي هذه التحركات في إطار سياسة تهدف إلى تنويع الشركاء والأسواق وعدم الارتهان لعدد محدود من الاقتصادات الكبرى، خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها التجارة العالمية وارتفاع المخاطر المرتبطة بالحواجز الجمركية والتوترات التجارية.
- المغرب بوابة للشركات الكورية نحو أوروبا وأمريكا وإفريقيا
ويحظى المغرب بموقع متقدم في الاستراتيجية التجارية الكورية بالنظر إلى ارتباطه باتفاقيات تجارية مع أسواق دولية كبرى، وهو ما يمنحه جاذبية خاصة بالنسبة إلى المستثمرين والشركات الباحثة عن مواقع إنتاج قادرة على الوصول إلى أكثر من سوق في الوقت نفسه.
وتراهن الشركات الكورية، من خلال توسيع حضورها في المملكة، على الاستفادة من البنية الصناعية واللوجستية التي تطورت خلال السنوات الأخيرة، فضلاً عن الموقع الجغرافي للمغرب وقربه من الأسواق الأوروبية.

كما أن الموقع الذي يحتله المغرب داخل القارة الإفريقية يجعله منصة محتملة أمام الشركات الكورية الراغبة في توسيع نشاطها جنوباً، خصوصاً في ظل تنامي الاستثمارات والعلاقات الاقتصادية المغربية مع عدد من الدول الإفريقية.
ومن هذا المنظور، فإن اتفاقاً للتجارة الحرة بين المغرب وكوريا الجنوبية لن يكون مقتصراً على خفض الرسوم الجمركية وتسهيل حركة السلع، بل يمكن أن يشكل إطاراً أوسع لجذب الاستثمارات وتعزيز التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا وتطوير سلاسل الإنتاج.
- التجارة الحرة تتجاوز خفض الرسوم الجمركية
وتنظر الحكومة الكورية إلى اتفاقيات التجارة الحرة باعتبارها أدوات استراتيجية لتوسيع الاقتصاد الوطني، وليس مجرد آليات لتقليص الرسوم الجمركية.
فمثل هذه الاتفاقيات يمكن أن تساهم في تسهيل الاستثمارات، وتعزيز التعاون الاقتصادي، وفتح فرص جديدة أمام الشركات، فضلاً عن توسيع الخيارات المتاحة أمام المستهلكين.
وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة بالنسبة إلى كوريا الجنوبية، التي تتميز باقتصاد صناعي منفتح يعتمد بشكل كبير على التصدير والأسواق الخارجية، في وقت يظل فيه حجم السوق المحلية محدوداً مقارنة بحجم اقتصادها وقدراتها الإنتاجية.
ولهذا السبب، تعمل سيول على توسيع دائرة شركائها التجاريين، بما يشمل الاقتصادات الكبرى والصاعدة، إلى جانب دول قد تبدو أقل حجماً في الوقت الراهن، لكنها تمتلك إمكانات نمو كبيرة على المدى المتوسط والبعيد.
- رهان على المستقبل
ولا يبدو توجه كوريا الجنوبية نحو المغرب مرتبطاً فقط بالظرفية التجارية الحالية، بل يعكس أيضاً رؤية بعيدة المدى تقوم على بناء علاقات اقتصادية مع الأسواق التي يمكن أن تتحول مستقبلاً إلى مراكز مهمة للنمو.
وفي هذا الإطار، تؤكد الرؤية الكورية أن حجم اقتصاد أي دولة اليوم لا يعني بالضرورة استمرار وضعها نفسه بعد 15 أو 20 عاماً، وهو ما يدفع سيول إلى التحرك مبكراً من أجل بناء شراكات طويلة الأمد.
ومن شأن هذا التوجه أن يمنح المغرب فرصة لتعزيز موقعه ضمن خريطة الشراكات الاقتصادية الآسيوية، خاصة إذا نجحت المفاوضات المرتقبة في الانتقال من الإطار التجاري إلى تعاون أوسع يشمل الاستثمار والصناعة والتكنولوجيا.
وبالنسبة إلى الرباط، فإن اهتمام كوريا الجنوبية بالسوق المغربية يعكس جاذبية متزايدة للمملكة باعتبارها منصة اقتصادية تجمع بين القرب من أوروبا والانفتاح على إفريقيا وارتباطها بشبكة من الاتفاقيات التجارية الدولية.
وبالتالي، فإن أي اتفاق محتمل للتجارة الحرة بين المغرب وكوريا الجنوبية قد يشكل محطة جديدة في مسار العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ويفتح المجال أمام مرحلة أكثر عمقاً من الشراكة، تقوم على التجارة والاستثمار والتصنيع المشترك والوصول إلى أسواق جديدة.