لم تعد قضية هشام جيراندو مجرد مواجهة كلامية على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما دفعت تسريبات جديدة بالملف إلى منطقة أكثر خطورة، إثر تداول محادثات منسوبة إليه مع عبد الواحد الغزاوي، الموقوف في ملف مرتبط بالاتجار الدولي بالمخدرات، تتضمن حديثاً عن استهداف أربعة أشخاص مغاربة، بينهم قاضيان ومحامٍ ومسؤول سابق بمؤسسة بنكية.
وبحسب مضمون التسريبات المتداولة، فإن الأمر لم يكن يتعلق فقط بالتهديد أو الضغط المعنوي، بل بحديث عن الاستعانة بأشخاص لتنفيذ عمليات ترهيب واعتداء، في محاولة لدفع المستهدفين إلى التراجع عن المساطر القضائية التي باشرواها في كندا ضد جيراندو، والتنازل عن مطالبهم المالية.
وتكتسي هذه المعطيات حساسية خاصة بالنظر إلى أن أحد الأشخاص الذين وردت أسماؤهم في الملف سبق أن خاض مساراً قضائياً ضد جيراندو أمام القضاء الكندي، حيث صدرت في يوليوز 2025 أحكام تضمنت تعويضات مالية وأوامر قضائية مرتبطة بمحتويات اعتُبرت تشهيرية. كما سبق للقضاء المغربي أن أصدر، في ماي 2025، حكماً غيابياً بالسجن النافذ لمدة 15 سنة في حق جيراندو في قضية تضمنت تهم تكوين اتفاق لإعداد أفعال إرهابية والتحريض عليها.
- من التشهير إلى التهديد.. تسريبات ترفع سقف القضية
الجزء الأكثر إثارة في المحادثات المتداولة يتمثل في ورود إشارات إلى أربعة أشخاص، قيل إنهم أصبحوا في مرمى استهداف جيراندو بسبب لجوئهم إلى القضاء ومواصلتهم إجراءات قانونية ضده.
وتظهر التسريبات، وفق مضمونها المنشور، أن الغاية المعلنة من الضغط لم تكن الانتقام فقط، وإنما إرغام هؤلاء على التراجع عن شكاياتهم ومطالبهم أمام القضاء الكندي.
وتتضمن إحدى المحادثات عبارة منسوبة إلى جيراندو تفيد برغبته في أن يندم الأشخاص الأربعة على قرارهم مقاضاته، قبل أن تتطور المحادثات إلى نقاش حول كيفية الوصول إليهم وترهيبهم.
والأخطر من ذلك، وفق المعطيات المتداولة، أن الحديث لم يتوقف عند تحديد الأسماء، بل شمل أيضاً تبادل صور لأحد المستهدفين، بما يوحي ــ إذا ثبتت صحة هذه المحادثات ومضمونها ــ بوجود انتقال من مرحلة الكلام والتهديد إلى التفكير في وسائل عملية لتنفيذ الاعتداء.
- الهدف: إسقاط الشكايات والتعويضات
تكشف المحادثات، بحسب مضمونها المتداول، أن الضغط المقترح كان يراد له أن يكون تدريجياً، يبدأ بالتهديد والترهيب وينتهي، في حال عدم الاستجابة، إلى أفعال أكثر خطورة.
والغاية الأساسية، كما تظهر من السياق، كانت دفع المشتكين إلى التراجع عن إجراءاتهم القضائية والتنازل عن المطالب والتعويضات التي يطالبون بها أمام القضاء الكندي.
ويظهر في إحدى الرسائل المنسوبة إلى جيراندو حديث عن ضرورة أن يؤدي أول تهديد مباشر إلى دفع المستهدفين للتنازل عن كل شيء، مع الإشارة إلى أن التأثير على شخص واحد قد يدفع الآخرين إلى اتخاذ الموقف نفسه.
وهنا تبرز خطورة الملف، لأن الأمر ــ إذا أثبتت التحقيقات صحة هذه المعطيات ــ لا يتعلق بمجرد خلاف شخصي أو حملة إلكترونية، وإنما بمحاولة استخدام الترهيب للتأثير في أشخاص اختاروا اللجوء إلى القضاء.
- ماربيا تدخل على الخط
الأكثر إثارة في التسريبات المتداولة هو ورود مدينة ماربيا الإسبانية ضمن الحديث عن استهداف أحد الأشخاص، وهو محامٍ بهيئة الدار البيضاء.
فبحسب مضمون المحادثات، جرى الحديث عن إمكانية استهداف المحامي خلال وجوده في إسبانيا، مع الإشارة إلى إمكانية الاستعانة بأشخاص من خارج المغرب.

ويُفهم من سياق المحادثات أن اختيار إسبانيا لم يكن عشوائياً، إذ وردت معلومات عن امتلاك المستهدف شقة بمدينة ماربيا، وهو ما كان من شأنه، وفق التصور الذي يظهر في التسريبات، تسهيل الوصول إليه.
هذه النقطة تحديداً ترفع مستوى خطورة القضية، لأنها تضيف بعداً عابراً للحدود إلى المخطط المزعوم، بعدما أصبح الحديث لا يدور فقط عن أشخاص موجودين داخل المغرب، وإنما عن إمكانية استهداف أحدهم خلال وجوده خارج التراب الوطني.
- اعتقال الغزاوي يوقف السيناريو قبل التنفيذ؟
بحسب المعطيات المنشورة حول الملف، فإن عبد الواحد الغزاوي جرى توقيفه من طرف المصالح الأمنية، وهو ما حال دون انتقال المخطط المزعوم إلى مرحلة التنفيذ المادي.
وتظل هذه النقطة حاسمة في تحديد المسؤوليات، لأن صحة المحادثات ومصدرها وسياقها، ومدى جدية ما ورد فيها، وطبيعة الأفعال التحضيرية التي قام بها كل طرف، كلها مسائل لا يمكن حسمها إعلامياً، وإنما تخضع للبحث والتحقيق والسلطة القضائية المختصة.
لكن من الناحية الأمنية والقانونية، فإن مجرد وجود محادثات تتضمن، إذا ثبتت صحتها، حديثاً عن استهداف أشخاص وترهيبهم يطرح أسئلة ثقيلة حول طبيعة العلاقة بين الطرفين، وحول ما إذا كانت الاتصالات قد تجاوزت حدود الكلام إلى مرحلة الإعداد والتحضير.
- ملف يتجاوز جيراندو والغزاوي
وتأتي هذه التطورات في سياق قضائي سابق جعل اسم هشام جيراندو مرتبطاً بعدد من الملفات في المغرب وكندا.
ففي ماي 2025، أصدرت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالرباط حكماً غيابياً بالسجن النافذ لمدة 15 سنة في حق جيراندو، على خلفية تهم مرتبطة بتكوين اتفاق لإعداد وارتكاب أفعال إرهابية والتحريض عليها.
وفي كندا، صدر في يوليوز 2025 حكم في قضية تشهير ضد جيراندو، تضمن إلزامه بأداء أكثر من 164 ألف دولار كندي لفائدة محامٍ مغربي، إلى جانب أوامر قضائية مرتبطة بالمحتويات موضوع الدعوى.
وتمنح هذه السوابق القضائية سياقاً مهماً لفهم سبب تحول بعض النزاعات المرتبطة بجيراندو إلى ملفات أمام المحاكم، غير أنها لا تكفي وحدها لإثبات صحة الاتهامات الجديدة الواردة في التسريبات الأخيرة.
- التسريبات تفتح باباً واسعاً للتحقيق
وبينما تتواصل عملية تداول المحادثات المنسوبة إلى جيراندو والغزاوي، يبقى السؤال المركزي: هل يتعلق الأمر فعلاً بمخطط إجرامي جرى الإعداد له، أم أن بعض ما ورد في التسريبات أُخرج من سياقه أو يحتاج إلى تحقق تقني وقضائي؟
الإجابة لن تحسمها مواقع التواصل ولا الحملات الإعلامية، وإنما الخبرات التقنية والتحقيقات القضائية التي تستطيع تحديد مصدر المحادثات، وصحة محتواها، وهوية أصحاب الحسابات والأجهزة، ومدى ارتباط ما ورد فيها بأفعال مادية على أرض الواقع.
لكن المؤكد أن التسريبات الجديدة نقلت الملف إلى مستوى غير مسبوق من الخطورة، لأنها لا تتحدث فقط عن فيديوهات أو اتهامات متبادلة، بل عن مزاعم تتعلق بتهديد أشخاص بسبب لجوئهم إلى القضاء.
وفي انتظار ما ستكشفه التحقيقات، يبقى أخطر ما في القضية أن الخلاف الذي بدأ أمام شاشات الهواتف وقاعات المحاكم كاد، وفق مضمون التسريبات المتداولة، أن يتحول إلى حديث عن الترهيب والاعتداء خارجها.
وهنا تحديداً تكمن خطورة الملف: عندما يصبح اللجوء إلى القضاء، وفق هذه المزاعم، سبباً لاستهداف صاحبه بدل أن يكون وسيلة لحمايته.