“تطوان 2026: ثقافة الحوار أم تدبير بلا حوار؟”…

في سياق الاستعدادات لتنزيل مشروع “تطوان عاصمة متوسطية للثقافة والحوار لسنة 2026”، ينعقد مجلس جماعة تطوان في دورة عادية تحمل في طياتها أكثر من مجرد نقاط تقنية للتداول، إذ تكشف بعض بنود جدول الأعمال عن توترات كامنة في تدبير الشأن الثقافي المحلي، وتطرح أسئلة عميقة حول الحكامة والشفافية في صرف المال العام.

أبرز ما يثير الجدل هو اتفاقية الشراكة المرتقبة مع إحدى الجمعيات، والتي رُصد لها غلاف مالي يناهز 200 مليون سنتيم، لتتولى الإشراف على تنظيم الأنشطة المرتبطة بالتظاهرة. هذا المعطى، في حد ذاته، يفتح باب التساؤل حول معايير اختيار هذه الجمعية دون غيرها، ومدى توفرها على الكفاءة والخبرة اللازمتين لتدبير مشروع ذي بعد دولي، فضلاً عن آليات التتبع والمحاسبة التي ستؤطر هذا التفويض.

وتزداد حدة النقاش بالنظر إلى السياق الاجتماعي والرمزي الذي يحيط بهذه التظاهرة، خاصة بعد قرار إلغاء سهرة فنية حداداً على وفاة طفلين إثر انهيار منزل بالمدينة العتيقة. هذا الحادث الأليم أعاد إلى الواجهة أولويات التدخل العمومي، وطرح مفارقة صارخة بين الاستثمار في التظاهرات الثقافية وبين الحاجة الملحة لمعالجة اختلالات البنية التحتية وظروف العيش في بعض الأحياء الهشة.

350 * 350

كما أن تفويض تدبير حدث ثقافي بهذا الحجم إلى فاعل جمعوي يثير مخاوف من إعادة إنتاج نمط من “الخوصصة المقنعة” للثقافة، حيث تتحول الجماعة إلى ممول فقط، دون أن تمارس دورها الكامل في التأطير والتوجيه الاستراتيجي. وهو ما قد يفرغ مفهوم “الثقافة كخدمة عمومية” من مضمونه، ويجعلها رهينة لاعتبارات ظرفية أو علاقات غير متكافئة.

في المقابل، قد تدافع الأغلبية عن هذه الاتفاقية باعتبارها خياراً عملياً لتجاوز بطء المساطر الإدارية، والانفتاح على كفاءات المجتمع المدني، غير أن هذا الطرح يظل مشروطاً بوجود ضمانات واضحة للشفافية، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

في المحصلة، تبدو دورة ماي لمجلس جماعة تطوان اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المنتخبين على التوفيق بين الطموح الثقافي المشروع، ومتطلبات الحكامة الجيدة، خاصة في ظل سياق اجتماعي حساس. فنجاح “تطوان 2026” لن يقاس فقط بعدد التظاهرات المنظمة، بل بمدى قدرتها على خلق أثر ثقافي وتنموي مستدام، يحترم ذكاء الساكنة ويستجيب لأولوياتها الفعلية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.