طائرات “رايانير” تحلّق بعيداً عن تطوان في الشتاء المقبل: انسحاب نهائي أم “بيات شتوي” تكتيكي؟

م-مnrtnews

أثار الاختفاء المفاجئ لرحلات شركة “رايانير” (Ryanair) من منصة الحجز الخاصة بمطار سانية الرمل بتطوان، ابتداءً من نهاية شهر أكتوبر المقبل، موجة من التساؤلات والقلق بين صفوف المسافرين وأبناء الجالية المغربية المقيمة بالخارج. فالشركة الأيرلندية، عملاقة الطيران منخفض التكلفة والتي ساهمت بشكل فعال في إنعاش الحركية الجوية بالحمامة البيضاء، بدت وكأنها أغلقت الباب فجأة أمام خطوطها الجوية الحيوية بالمدينة، في وقت تستمر فيه رحلاتها بشكل طبيعي عبر مطارات مجاورة كمطار طنجة ابن بطوطة الدولي. وأمام غياب أي بلاغ رسمي حتى الساعة من الشركة أو من المكتب الوطني للمطارات (ONDA)، يتبادر إلى أذهان المهتمين بالشأن الاقتصادي والسياحي بالمنطقة سؤال ملح حول الأسباب الحقيقية وراء هذا القرار، رغم الإقبال القياسي ونسب الملء العالية التي شهدتها هذه الخطوط.

لتحليل هذا القرار المفاجئ، يرى خبراء الملاحة الجوية أنه لا بد من النظر إليه من زاوية “المنطق التجاري الصارم” الذي تدير به الشركات منخفضة التكلفة خطوطها عبر العالم. ويبرز في مقدمة هذه الأسباب معضلة “الموسمية الشديدة” ومعدل العائد المالي؛ إذ يتميز مطار سانية الرمل بتطوان بخصوصية موسمية استثنائية، حيث يشهد ذروة قياسية خلال الصيف وفترة عملية “مرحبا” بفضل السياحة الشاطئية وعودة الجالية، لكن مع دخول “الجدول الشتوي” في أواخر أكتوبر، ينخفض الطلب محلياً بشكل حاد. وفي لغة الأرقام لدى “رايانير”، لا تكفي نسبة ملء الطائرة وحدها للحكم على نجاح الخط، بل تعتمد الشركة على مؤشر العائد على المقعد المتاح، وحين تضطر لخفض أسعار التذاكر بشكل حاد في الشتاء لتشجيع السفر نحو وجهة موسمية، فإنها تفضل نقل طائراتها فوراً إلى وجهات شتوية أوروبية أو مغربية أخرى تضمن تدفقاً سياحياً دافئاً طوال السنة وأسعار تذاكر أكثر ربحية.

350 * 350

من جهة أخرى، يعيش قطاع الطيران العالمي، و”رايانير” على وجه الخصوص، ضغوطاً خانقة بسبب تأخر شركة “بوينغ” الأمريكية في تسليم الطائرات الجديدة من طراز (737 Max). هذا النقص الحاد في الأسطول أجبر إدارة الشركة الأيرلندية على اتخاذ قرارات إعادة هيكلة قاسية، حيث فضّلت سحب طائراتها من المطارات الثانوية أو الموسمية عبر أوروبا وشمال إفريقيا، لتغطية النقص في القواعد الجوية الكبرى والمطارات التي تربطها بها التزامات قانونية وتجارية صارمة، كحالة مطار طنجة الذي يضم قاعدة عملياتية ثابتة للشركة وطائرات مستقرة هناك بشكل دائم.

علاوة على ذلك، لا يخلو قرار “رايانير” من أبعاد تفاوضية خلف الكواليس؛ فالشركة معروفة عالمياً باستخدام أسلوب إيقاف الحجوزات كأداة للضغط على سلطات المطارات أو المجالس الجهوية والمحلية. وقد يكون هذا الإجراء خطوة غير معلنة لدفع الفاعلين المحليين والمكتب الوطني للمطارات نحو تقديم تنازلات جديدة، مثل خفض الرسوم والمكوس المطارية في مطار تطوان، أو تقديم حوافز مالية ودعم لبرامج التسويق السياحي المشترك لضمان استمرارية الخطوط في الأوقات الضعيفة من السنة.

ورغم حالة القلق الحالية، فإن المؤشرات التاريخية لسلوك “رايانير” في مطارات مشابهة تؤكد أن هذا التوقف قد لا يكون انسحاباً نهائياً. فمطارات الشمال التي شهدت استثمارات هامة في بنيتها التحتية وتوسعة مدرجاتها كمطار تطوان تظل نقطة جذب استراتيجية لا يمكن للشركة التفريط في حصتها السوقية بها على المدى الطويل. والسيناريو الأقرب للواقع، حسب العارفين بخبايا القطاع، هو أن تطوان ستدخل في “بيات شتوي” مؤقت على مستوى رحلات هذه الشركة، على أن تُفتح منصات الحجز مجدداً مع بداية “البرنامج الصيفي” في شهر مارس من العام المقبل. ويبقى الرهان الآن على مدى سرعة تحرك الفاعلين الاقتصاديين ومسؤولي قطاع السياحة بالجهة لفتح قنوات الحوار مع الشركة، أو البحث عن بدائل مع شركات طيران أخرى لضمان عدم بقاء المطار رهن تقلبات فاعل دولي واحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.