دراسة علمية تختبر نماذج احتمالية لتقدير الهزات الارتدادية بعد زلازل الحسيمة والحوز
م.ب
في خطوة قد تفتح المجال أمام تطوير أدوات أكثر دقة لتدبير مخاطر الزلازل، اختبر باحثون نموذجاً إحصائياً جديداً يعتمد على البيانات المسجلة خلال الساعات الأولى التي تلي الزلازل الكبرى، بهدف تقدير احتمال وقوع هزات ارتدادية قوية خلال فترة زمنية قصيرة.
واعتمدت الدراسة على أربع سلاسل زلزالية شهدها المغرب، شملت زلازل الحسيمة خلال أعوام 1994 و2004 و2016، إضافة إلى زلزال الحوز الذي ضرب المنطقة في شتنبر 2023، وذلك لاختبار مدى قدرة النموذج على تحديث تقديراته مع وصول بيانات جديدة بعد وقوع الزلزال الرئيسي.
- من الحسيمة إلى الحوز
ركز الباحثون على زلزال الحسيمة الذي وقع في 26 ماي 1994 بقوة 6 درجات، وزلزال 24 فبراير 2004 بقوة 6.4 درجات، وسلسلة الحسيمة المسجلة في 25 يناير 2016 بقوة 6.3 درجات، إلى جانب زلزال الحوز في 8 شتنبر 2023 بقوة 6.8 درجات، وفق البيانات المعتمدة في الدراسة.
ولا يتعلق النموذج بمحاولة معرفة موعد الزلزال المقبل أو تحديد مكانه وقوته مسبقاً، وإنما يبدأ عمله بعد وقوع الزلزال الرئيسي، حيث يستفيد من الهزات الارتدادية الأولى لتحديث مستوى الخطر خلال الساعات التالية.
واعتمد الباحثون في حساباتهم على قانون «غوتنبرغ-ريختر»، الذي يصف العلاقة الإحصائية بين عدد الزلازل وقوتها، إلى جانب قانون «أوموري-أوتسو» الذي يصف التراجع التدريجي في معدل الهزات الارتدادية مع مرور الوقت.
- ثلاث ساعات قد تعطي مؤشراً أولياً
ومن بين السيناريوهات التي اختبرتها الدراسة، استخدام بيانات الساعات الثلاث الأولى بعد الزلزال الرئيسي لتدريب النموذج، ثم احتساب احتمال تسجيل هزة ارتدادية بقوة 5 درجات أو أكثر خلال الساعات الثلاث التالية.
وأظهرت النتائج اختلافاً بين السلاسل الزلزالية المدروسة؛ إذ بقي الاحتمال المحسوب في حالة الحسيمة سنة 1994 دون 10 في المائة، بينما تراوح في سلسلتي 2004 و2016 بين نحو 20 و30 في المائة.
أما في حالة زلزال الحوز سنة 2023، فقد اقترب الاحتمال من 10 في المائة خلال نافذة التوقع القصيرة، قبل أن يرتفع عند تمديد الفترة الزمنية التي يغطيها التقدير.
غير أن هذه النسب لا يمكن تعميمها على أي زلزال مستقبلي في المغرب، لأنها مرتبطة بخصائص كل سلسلة زلزالية وبالبيانات المتاحة والفترة الزمنية التي استخدمت في بناء التقدير.
- توقع الهزات الارتدادية وليس التنبؤ بالزلزال
وتبرز الدراسة الفرق بين مفهوم توقع الهزات الارتدادية والتنبؤ بالزلازل.
فالنموذج لا يحدد موعد وقوع زلزال كبير قبل حدوثه، وإنما يقدم تقديراً احتماليا بعد وقوع الزلزال الرئيسي حول إمكانية تسجيل هزة ارتدادية تتجاوز قوة معينة خلال فترة زمنية محددة.
وتكمن أهمية هذا النوع من النماذج في الساعات التي تلي الزلزال مباشرة، وهي الفترة التي تكون فيها عمليات الإنقاذ وتقييم الأضرار وفحص المباني المتضررة جارية، بينما يمكن لهزة ارتدادية قوية أن تزيد من المخاطر على السكان والمنشآت المتضررة.
- معلومة إضافية لإدارة الأزمة
ويرى الباحثون أن تطوير نظام شبه آني يمكنه استقبال البيانات الزلزالية الجديدة وإعادة حساب الاحتمالات بشكل متواصل قد يوفر للجهات المختصة أداة إضافية لتقييم المخاطر بعد وقوع زلزال قوي.
لكن الاحتمالات الإحصائية لا تكفي وحدها لاتخاذ قرارات ميدانية مثل إخلاء المباني أو السماح بالعودة إليها، إذ تتطلب هذه القرارات أيضاً تقييمات هندسية لحالة المنشآت، ومعلومات عن مواقع الهزات، وحجم الأضرار والكثافة السكانية.
كما تختلف الظروف التكتونية بين مناطق الدراسة، إذ ترتبط منطقة الحسيمة بسياق تكتوني مختلف عن ذلك الذي شهد زلزال الحوز في الأطلس الكبير، وهو ما يفرض الحذر عند مقارنة نتائج السلاسل الزلزالية المختلفة.
- نحو نظام إنذار وتقدير شبه آني
تقترح الدراسة توسيع اختبار هذا المنهج ليشمل مناطق أخرى من المجال الإيبيري-المغاربي، تمهيداً لإمكانية تطوير أنظمة تعمل بصورة شبه آنية وتعيد تحديث تقديراتها كلما توفرت بيانات زلزالية جديدة.
وتكتسب النتائج أهمية خاصة لكونها اختبرت على سلاسل زلزالية حقيقية من المغرب، بينها زلازل الحسيمة وزلزال الحوز، بدل الاقتصار على سيناريوهات افتراضية.
ومع ذلك، لا تعني نتائج الدراسة أن المغرب أصبح يتوفر على نظام عملي للتنبؤ بالهزات الارتدادية، إذ يتطلب تحويل النموذج الأكاديمي إلى أداة تشغيلية منظومة متكاملة للرصد السريع، ومعالجة البيانات، وتحديث الاحتمالات، ثم تحويل النتائج العلمية إلى معلومات مفهومة وقابلة للاستخدام من طرف الجهات المختصة.