ترقب التلاميذ للعطلة الأولى.. مؤشرات على ضغوط وإرهاق الدخول المدرسي

م.ب

 

مع اقتراب موعد العطلة المدرسية الأولى، يزداد ترقب التلاميذ لفترة قصيرة بعيداً عن الواجبات والامتحانات والاستيقاظ المبكر، في مشهد يتكرر كل موسم دراسي. غير أن هذا الانتظار، الذي يبدو في ظاهره رغبة طبيعية في اللعب والراحة، قد يعكس لدى بعض التلاميذ حجم الإرهاق النفسي والجسدي المرتبط بالعودة إلى الدراسة ومتطلبات الحياة المدرسية.

وترى الأخصائية والمعالجة النفسية الإكلينيكية ندى الفضل أن انتظار العطلة لا ينبغي تفسيره تلقائياً باعتباره رفضاً للدراسة أو فقداناً للرغبة في التعلم، موضحة أن الطفل والمراهق يحتاجان بشكل طبيعي إلى فترات للراحة واللعب واستعادة النشاط بعد أسابيع من الالتزام بنظام دراسي منتظم.

 

لكنها تشير إلى أن الأمر يصبح أكثر دلالة عندما يتحول انتظار العطلة إلى حالة مرتبطة بإرهاق شديد أو قلق متكرر أو فقدان الرغبة في الذهاب إلى المدرسة، إلى جانب ظهور أعراض نفسية أو جسدية بشكل متكرر، وهي مؤشرات تستدعي الانتباه إلى طبيعة الضغوط التي يعيشها التلميذ.

 

وتوضح الفضل أن الانتقال من أجواء العطلة الصيفية إلى النظام المدرسي يفرض على التلميذ إعادة تنظيم حياته اليومية، بدءاً من الاستيقاظ المبكر والالتزام بالحصص والواجبات، مروراً بالامتحانات والعلاقات مع الزملاء، وصولاً إلى انتظارات الأسرة والمؤسسة التعليمية، وهي متطلبات لا يتكيف معها جميع التلاميذ بالوتيرة نفسها.

ومن هذا المنطلق، تؤكد الأخصائية أن التعامل مع رغبة التلميذ في العطلة لا ينبغي أن يقتصر على اعتبارها رغبة في التخلص من الدراسة، بل يستوجب الإنصات إلى ما وراء هذا السلوك، من خلال معرفة شعوره داخل المدرسة وما إذا كان يواجه صعوبات أو ضغوطاً تؤثر في توازنه النفسي.

 

وتعتبر أن العطلة تؤدي وظيفة تتجاوز الترفيه، باعتبارها مساحة لاستعادة التوازن وتجديد الطاقة، خصوصاً بالنسبة إلى التلاميذ الذين يواجهون ضغطاً متواصلاً خلال الفترة الدراسية.

350 * 350

وفي السياق ذاته، يرى سامي دقاقي، أستاذ علم النفس بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين بالدار البيضاء، أن الترقب الكبير للعطلة الأولى يجمع بين حاجة طبيعية إلى الراحة واللعب وبين محاولة للتخفيف من الضغط المتراكم خلال الأسابيع الأولى من الموسم الدراسي.

ويشرح دقاقي أن العودة إلى الدراسة تأتي بعد فترة صيفية طويلة، وهو ما يجعل الجسم والذهن في حاجة إلى وقت لاستعادة الإيقاع المدرسي، خاصة مع الانتقال المفاجئ إلى جداول زمنية دقيقة وبرامج دراسية والتزامات يومية مختلفة.

 

ويؤكد أن اللعب والراحة يشكلان جزءاً أساسياً من حاجات الطفل النفسية، إذ يساعد اللعب على تفريغ الطاقة، بينما تتيح فترات الراحة والاستجمام استعادة النشاط الذهني والجسدي بعد المجهود الذي تفرضه الحياة المدرسية، فضلاً عن الضغوط المرتبطة بارتفاع انتظارات الأسر والمدرسين بشأن النتائج والأداء الدراسي.

 

ويربط الأستاذ ذاته بين تصاعد مظاهر الترقب والانتظار لدى بعض التلاميذ واقتراب نهاية الفترة الدراسية، وبين ما يمكن أن يراكمه الضغط النفسي من آثار، مشيراً إلى أن القلق وبعض الأعراض النفسية قد تظهر بشكل أوضح لدى فئة من التلاميذ، خصوصاً المراهقين، خلال الفترات التي تتكثف فيها الالتزامات الدراسية.

 

ويؤكد أن مسؤولية الحد من هذه الضغوط لا تقع على التلميذ وحده، بل تتطلب تدخلاً مشتركاً من المؤسسة التعليمية والأسرة، من خلال جعل الانتقال من العطلة إلى الدراسة أكثر تدريجية، وتوفير فضاءات تسمح بالتنفيس والراحة، إلى جانب تعزيز خدمات الاستماع والمواكبة النفسية داخل المؤسسات التعليمية.

 

كما يدعو الأسر إلى تحقيق توازن بين متابعة المسار الدراسي وفترات الراحة داخل المنزل وخارجه، مع تخصيص وقت كافٍ للحوار والإنصات إلى الأبناء، بعيداً عن الضغط المستمر واللوم المرتبط بالنتائج الدراسية.

وبذلك، فإن الترقب الذي يرافق العطلة الأولى لا يحمل بالضرورة دلالة سلبية، لكنه قد يتحول إلى إشارة تستحق الانتباه عندما يقترن بإرهاق مستمر أو قلق أو نفور من المدرسة. فالإنصات إلى التلميذ وفهم مصادر الضغط التي يعيشها يظل خطوة أساسية لضمان عودة مدرسية أكثر توازناً واستقراراً.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.