دخلت جمعية هيئات المحامين بالمغرب، ابتداء من اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026، مرحلة جديدة من احتجاجها على القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، وذلك من خلال التعليق المؤقت للتوقف عن تقديم الخدمات المهنية، بعد نحو أربعة أشهر من التصعيد والاحتجاج الذي شمل مختلف هيئات المحامين بالمملكة.

وكانت الجمعية قد قررت، في وقت سابق، مواصلة التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية إلى غاية 7 أكتوبر، قبل تعليق هذه الخطوة مؤقتاً ابتداء من التاريخ نفسه، في انتظار ما ستفرزه المرحلة السياسية والمؤسساتية الجديدة عقب الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة المقبلة.
وبدأ المحامون توقفهم عن العمل في 15 يونيو الماضي، في إطار برنامج احتجاجي كان محدداً في البداية لأسبوع واحد، قبل تمديده في مناسبات متتالية، وصولاً إلى قرار الإبقاء على التوقف إلى غاية 7 أكتوبر، مع تعليق الخطوة بعد ذلك بشكل مؤقت.
ويرتبط اختيار هذا الموعد، وفق تصور الجمعية، بالسياق السياسي والدستوري الجديد، إذ يأتي بعد الانتخابات التشريعية التي أفرزت أغلبية جديدة، وقبيل افتتاح الدورة التشريعية الجديدة، بما يتيح للحكومة والبرلمان المقبلين تحمل مسؤولياتهما في تدبير الملف المرتبط بمهنة المحاماة.
ولا يعني تعليق التوقف، وفق موقف الجمعية، التخلي عن المطالب المهنية أو القبول بالمقتضيات التي شكلت محور الخلاف، خصوصاً ما تعتبره الجمعية مساساً باستقلالية المهنة وحصانتها وتدبيرها الذاتي، وإنما يمثل انتقالاً إلى مرحلة جديدة من الحوار والترافع.
وفي هذا السياق، يرى المحامي عبد الكبير طبيح، عضو مكتب جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أن انتهاء مرحلة الإضراب لا يعني انتهاء النقاش حول مستقبل المهنة، معتبراً أن ملف المحاماة يظل قابلاً للمعالجة من خلال الحوار والتعقل والبحث عن مخرج يحفظ مصالح المهنة ويأخذ بعين الاعتبار الإطار المؤسساتي للدولة.
وأوضح طبيح أن المرحلة المقبلة ستتجه أساساً إلى انتظار تشكيل الحكومة الجديدة والتعرف إلى المسؤول الذي سيتولى حقيبة العدل، إلى جانب رصد أولويات الحكومة في مجال العدالة، معتبراً أن طبيعة المسؤولين الذين سيتولون تدبير المرحلة المقبلة ستكون لها أهمية في تحديد مآل الملف.
وأضاف أن النقاش حول وضعية المحاماة لا ينبغي اختزاله في الجانب المهني فقط، بالنظر إلى ارتباط المهنة بمنظومة العدالة وحقوق الدفاع والحريات، مشدداً على أن المرحلة المقبلة تفتح المجال أمام مسارات أخرى للعمل بعد انتهاء التوقف عن تقديم الخدمات المهنية.
وفي قراءته لمسار الاحتجاج، اعتبر طبيح أن حجم التضامن والمواكبة التي حظي بها تحرك المحامين يعكس، في نظره، المكانة التي تحتلها المهنة داخل منظومة العدالة، سواء على المستوى الوطني أو لدى أفراد الجالية المغربية بالخارج، مشيراً إلى أن استقلالية المحاماة تشكل، بحسب تعبيره، أحد مؤشرات حماية الحقوق والحريات.
كما استحضر المتحدث المكانة التاريخية التي حظيت بها مهنة المحاماة في المغرب، مشيراً إلى ما يعتبره علاقة خاصة بين المهنة والمؤسسة الملكية، ومذكراً بالعبارة المنسوبة إلى الملك الراحل الحسن الثاني: «لو لم أكن ملكاً لكنت محامياً».
وربط طبيح النقاش الحالي أيضاً بالإطار القانوني الذي يؤطر استقلالية المهنة وحصانتها وتنظيمها الذاتي، معتبراً أن أي تعديل لهذه المكتسبات ينبغي أن يتم وفق مقاربة تراعي الأسس المؤسساتية التي قامت عليها المهنة.
ويأتي هذا النقاش في وقت عرف فيه القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مساراً تشريعياً وقضائياً معقداً، بعدما تعذر على المحكمة الدستورية، في قرار صادر في غشت الماضي، البت في الإحالة المتعلقة بمطابقته للدستور، بسبب عدم استيفاء ملف الإحالة للوثائق المطلوبة، دون أن يعني ذلك حكماً في مضمون القانون أو فصلاً في مدى دستورية مقتضياته.
ويرى المحامون أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تفتح الباب أمام معالجة نقاط الخلاف عبر الحوار، بدل استمرار حالة الاحتقان التي أثرت على سير عدد من القضايا والخدمات المرتبطة بالمحاكم.
وفي جانب آخر، يطرح ملف خريجي كليات الحقوق نفسه ضمن النقاش حول مستقبل المهنة، في ظل ارتفاع أعداد المتخرجين وصعوبة استيعابهم في سوق الشغل، وهو ما يجعل المحاماة، بالنسبة إلى شريحة من حاملي الشهادات القانونية، أحد المسارات المهنية الأساسية.
وبينما تستأنف المهنة نشاطها بشكل مؤقت، تبقى مطالب المحامين مفتوحة على مرحلة جديدة عنوانها الأبرز انتظار التشكيلة الحكومية المقبلة، ومسار تدبير حقيبة العدل، ومدى قدرة الحوار المؤسساتي على احتواء الخلافات المرتبطة بالقانون 66.23.
وهكذا، لا يبدو أن تعليق التوقف عن العمل يمثل نهاية احتجاج المحامين، بقدر ما يشكل انتقالاً من مرحلة التصعيد الميداني إلى مرحلة جديدة من الترقب والتفاوض، في انتظار ما ستقرره المؤسسات السياسية والتشريعية المقبلة بشأن مستقبل مهنة المحاماة.