انتخابات 2026.. رئاسات الجماعات تعيد رسم التنافس على مقعدين برلمانيين بالمضيق الفنيدق
م-م
تدخل دائرة المضيق الفنيدق انتخابات 23 شتنبر بمقعدين برلمانيين، لكن بخريطة يصعب قراءتها انطلاقا من نتائج 2021 وحدها، بعدما تغيرت مواقع عدد من الفاعلين المحليين، وتشابكت الانتماءات الحزبية مع شبكات رؤساء الجماعات والمنتخبين داخل مجال انتخابي شديد التمدن.
ويجعل هذا الوضع الدائرة واحدة من الحالات التي يصبح فيها وزن المرشح وموقعه داخل الجماعات أكثر دلالة من الرصيد السابق للحزب وحده، خصوصا أن انتخابات 2016 و2021 أظهرت قدرة المقعدين على الانتقال بين أحزاب مختلفة، بينما تتركز الكتلة الانتخابية أساسا في المضيق والفنيدق ومرتيل، مع وزن أقل للعليين وبليونش.
ويضع هذا التداخل عددا من الأسماء في دائرة المنافسة بدرجات متفاوتة، يتقدمهم محمد العربي المرابط عن الأصالة والمعاصرة، وعبد النور الحسناوي عن الاتحاد الاشتراكي، وحسن الشاعر عن التجمع الوطني للأحرار، وإدريس لزعر عن التقدم والاشتراكية، إلى جانب عبد الحنين الغرافي عن الاستقلال، في سباق لا يترك سوى مقعدين لكل هذه الشبكات.
2021.. ثنائية جديدة
وفي انتخابات 8 شتنبر 2021، تصدر الأصالة والمعاصرة النتائج بواسطة محمد العربي المرابط، بعدما حصل الحزب على نحو 9300 صوت، فيما عاد المقعد الثاني إلى الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبر عبد النور الحسناوي، الذي جمع 5149 صوتا.
وشارك في الاقتراع 42 ألفا و847 ناخبا من أصل 105 آلاف و415 مسجلا، بنسبة مشاركة بلغت 40.65 في المائة، وهي أرقام جعلت الفارق بين الفوز والخروج من التمثيل البرلماني مرتبطا بكتل محدودة من الأصوات مقارنة بدوائر متعددة المقاعد.
لكن هذه الثنائية كانت مختلفة بالكامل عن الخريطة التي أفرزتها انتخابات 2016. ففي ذلك الاستحقاق فاز محمد قروق بالمقعد الأول باسم العدالة والتنمية، بينما حصل علي أمنيول، مرشح التقدم والاشتراكية، على المقعد الثاني.
ولم تستقر التركيبة طويلا. فقد ألغت المحكمة الدستورية انتخاب أمنيول سنة 2017، وانتقل المقعد في الانتخابات الجزئية إلى أحمد المرابط السوسي عن التجمع الوطني للأحرار، قبل أن يلغى انتخابه هو الآخر، ثم يعود للفوز مجددا في اقتراع جزئي سنة 2018.
وبذلك مر أحد مقعدي الدائرة خلال دورة واحدة من التقدم والاشتراكية إلى التجمع الوطني للأحرار، قبل أن تطيح انتخابات 2021 بالحزبين معا من التمثيل البرلماني وتحمل الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي إلى المقعدين.
جماعات تحكم المشهد
وتبدو انتخابات 2026 مختلفة بدورها، لأن المنافسة هذه المرة لا تقوم على إعادة المواجهة بين الفائزين السابقين فقط، بل على شبكات محلية أصبحت متداخلة على نحو يصعب معه رسم حدود واضحة بين الخزانات الحزبية.
فالأصالة والمعاصرة يدخل الانتخابات بمحمد العربي المرابط، الفائز بالمقعد الأول سنة 2021، لكنه يعود هذه المرة بوزن مؤسساتي أكبر بعدما أصبح رئيسا لجماعة مرتيل، إلى جانب موقعه التنظيمي داخل الحزب.
ولا يقف رصيد “البام” عند مرشحه، إذ يرأس الحزب جماعة الفنيدق بواسطة رضوان النجمي، والعليين بواسطة محمد جغلول، وبليونش بواسطة مصطفى الشعيري الكامل، كما يرأس أحمد حلحول مجلس عمالة المضيق الفنيدق.
ويعني ذلك أن الحزب يدخل انتخابات 2026 وهو ممسك برئاسة أربع مؤسسات ترابية أساسية داخل الدائرة، بينها مرتيل والفنيدق، أكبر مدينتين من حيث عدد السكان، إضافة إلى مجلس العمالة.
في المقابل، يجدد الاتحاد الاشتراكي الرهان على عبد النور الحسناوي، صاحب المقعد الثاني في 2021، والذي يحتفظ بحضور داخل جماعة الفنيدق، فيما يرأس حزبه جماعة المضيق عبر عبد الواحد الشاعر.
لكن هذه الأخيرة أصبحت في الوقت نفسه مصدر واحدة من أكثر المفارقات الانتخابية وضوحا في الدائرة.
فالتجمع الوطني للأحرار اختار حسن الشاعر، نجل رئيس جماعة المضيق الاتحادي عبد الواحد الشاعر، لقيادة لائحته في انتخابات 2026، ليجد الاتحاد الاشتراكي نفسه أمام منافس يستند إلى شبكة محلية مرتبطة مباشرة بأحد أبرز منتخبيه.
ولا يدخل الأحرار من دون رصيد داخل المضيق. ففي جماعيات 2021 حصل الحزب على خمسة مقاعد، مقابل ستة للاتحاد الاشتراكي، كما يحتفظ بحضور في الفنيدق والعليين.
وبذلك لم تعد رئاسة الاتحاد الاشتراكي لجماعة المضيق تعني بالضرورة أن الكتلة المرتبطة بها ستتحرك كاملة خلف مرشحه البرلماني، بعدما أصبح جزء من المجال السياسي والعائلي نفسه يتحرك تحت رمز حزب منافس.

وتزداد الخريطة تعقيدا مع إدريس لزعر، الذي زكاه التقدم والاشتراكية لخوض الانتخابات.
فلزعر ليس اسما جديدا على التدبير المحلي، إذ سبق له أن ترأس جماعة المضيق، ويشغل موقع النائب الأول لرئيسها الحالي، ما يمنح الحزب مرشحا يتحرك داخل المجال نفسه الذي يستند إليه الاتحاد الاشتراكي والأحرار.
ويحمل ترشيحه أيضا ذاكرة انتخابية لحزب سبق أن فاز بأحد مقعدي الدائرة سنة 2016، قبل أن يفقده في الانتخابات الجزئية، لكنه حافظ لاحقا على حضور جماعي مهم، خصوصا في مرتيل حيث حصل على ستة مقاعد سنة 2021، مناصفة مع الأصالة والمعاصرة.
وسط هذه الخريطة، يدخل الاستقلال بمرشح جديد هو عبد الحنين الغرافي، بعدما غير الحزب اختياره السابق وأسند إليه التزكية.
ويملك الاستقلال تمثيلا داخل المجالس الجماعية بالمضيق ومرتيل والفنيدق، لكنه يدخل انتخابات 2026 دون مرشح اختبر رصيده الشخصي في استحقاقات سابقة داخل الدائرة، ما يجعل قدرته على تحويل الانتشار الحزبي إلى كتلة برلمانية واحدة من الأسئلة المفتوحة.
مقعدان تحت الضغط
ولا تنحصر المنافسة، بذلك، في حزبي الأصالة والمعاصرة والاتحاد الاشتراكي اللذين تقاسما مقعدي 2021.
فالتجمع الوطني للأحرار يعود بمرشح ينطلق من قلب شبكة جماعة المضيق، بينما يدفع التقدم والاشتراكية برئيس سابق للجماعة نفسها، ويحاول الاستقلال تجميع حضوره المحلي حول وجه جديد.
ويحاول العدالة والتنمية بدوره استعادة موقع فقده قبل خمس سنوات، بعدما كان قد فاز بأحد مقعدي الدائرة سنة 2016، قبل أن يخرج من التمثيل البرلماني في 2021.
وتضع هذه التركيبة مقعدين فقط أمام مرشحين يملكون مواقع برلمانية حالية، أو رئاسات جماعات، أو مواقع داخل مكاتبها، أو شبكات عائلية ومحلية ممتدة داخل المدن الثلاث الرئيسية.
فالأصالة والمعاصرة يدخل بالمرشح نفسه الذي تصدر انتخابات 2021، لكنه يضيف هذه المرة رئاسة مرتيل إلى شبكة رئاسات حزبية تمتد إلى الفنيدق والعليين وبليونش ومجلس العمالة.
أما الاتحاد الاشتراكي فيدخل بالنائب نفسه الذي فاز بالمقعد الثاني، لكنه يواجه وضعا مختلفا داخل المضيق، بعدما أصبح نجل رئيس الجماعة مرشحا للأحرار، فيما يخوض نائب الرئيس السباق باسم التقدم والاشتراكية.
ويعني ذلك أن المضيق، رغم أنها ليست أكبر جماعات العمالة سكانيا، تتحول إلى إحدى أهم ساحات الحسم، لأن ثلاثة مرشحين رئيسيين على الأقل يرتبطون مباشرة بشبكاتها المحلية.
في المقابل، تصبح مرتيل خزانا أساسيا للأصالة والمعاصرة بحكم رئاسة المرابط لجماعتها، لكنها تظل في الوقت نفسه مجالا يملك فيه التقدم والاشتراكية رصيدا جماعيا مهما.
أما الفنيدق فتجمع بين رئاسة للبام وحضور لعبد النور الحسناوي داخل مجلسها، إلى جانب امتدادات لبقية الأحزاب، ما يمنع التعامل معها باعتبارها خزانا مغلقا لصالح طرف واحد.
وبذلك لا تقدم انتخابات المضيق الفنيدق في 2026 مواجهة بسيطة بين حزبين لحماية مقعدين.
إنها اختبار لمعرفة ما إذا كان الأصالة والمعاصرة سيحول اتساع شبكته المؤسساتية إلى احتفاظ بالمقعد الأول، وما إذا كان الاتحاد الاشتراكي قادرا على حماية المقعد الثاني رغم الانقسام الذي أصاب المجال السياسي المحيط بجماعة المضيق.
وإذا كانت انتخابات 2016 قد منحت المقعدين للعدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية، قبل أن ينتقل أحدهما إلى الأحرار في انتخابات جزئية، ثم حملت انتخابات 2021 البام والاتحاد الاشتراكي إلى البرلمان، فإن اقتراع 23 شتنبر ينطلق مجددا من وضع يسمح بإعادة تركيب الثنائية.
وهنا تحديدا تكمن خصوصية المضيق الفنيدق هذه السنة. فالمنافسة لا تختبر شعبية الأحزاب فقط، بل تختبر مقدار ما تستطيع رئاسات الجماعات والمواقع داخل المجالس والشبكات المحلية تحويله إلى أصوات، في دائرة شديدة التمدن لا تمنح سوى مقعدين.