واشنطن تواكب دي ميستورا.. وعقدة الثقة تعرقل التسوية

م.ب

الرباط – تتجه قضية الصحراء نحو مرحلة دبلوماسية دقيقة، مع استمرار تحركات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة ستافان دي ميستورا، بالتوازي مع حضور أمريكي لافت في الاتصالات المرتبطة بالمسار السياسي، في وقت لا تزال فيه عقبتان ثقيلتان تلقيان بظلالهما على أي محاولة لإطلاق مفاوضات أكثر جدية: التوتر الميداني وغياب الثقة بين الأطراف.

المعطى الجديد لا يكمن فقط في استمرار المشاورات، بل في طبيعة التنسيق الذي يرافقها. فقد أكد كريستوفر ثورنتون، المستشار السياسي الأول لدي ميستورا، أن المبعوث الأممي يواصل العمل بشكل وثيق مع الإدارة الأمريكية، في إشارة تعكس أهمية الدور الذي باتت واشنطن تضطلع به في المرحلة الحالية.

وفي المقابل، تبدو مهمة دي ميستورا أكثر تعقيداً من مجرد جمع الأطراف حول طاولة واحدة؛ فالمطلوب هو بناء أرضية سياسية يمكن أن تسمح بانتقال الملف من إدارة النزاع إلى البحث عن تسوية نهائية.

  • واشنطن تقترب أكثر من الملف

التنسيق بين دي ميستورا والإدارة الأمريكية يكتسي أهمية خاصة في هذه المرحلة، خصوصاً مع استمرار واشنطن في متابعة تطورات الملف عن قرب.

ويشير هذا الحضور إلى أن الولايات المتحدة لا تنظر إلى المسار الأممي باعتباره شأناً دبلوماسياً منفصلاً، وإنما كملف يحتاج إلى دعم سياسي من قوة دولية قادرة على التأثير في الأطراف وعلى مستوى مجلس الأمن.

وقد أضحى اسم المستشار الأمريكي مسعد بولس حاضراً في الاتصالات المتعلقة بالملف، إلى جانب السفير الأمريكي، وهو ما يعكس استمرار التواصل بين واشنطن والمبعوث الأممي.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل يستطيع هذا التنسيق تحويل الاتصالات الدبلوماسية إلى اختراق سياسي حقيقي؟

  • عقدة الثقة.. العقبة التي لم تختفِ

رغم الحراك الدبلوماسي، لا تزال الطريق أمام التسوية مليئة بالعراقيل.

ثورنتون أشار بوضوح إلى استمرار حوادث إطلاق النار وغياب الثقة بين الأطراف، وهما عاملان يضغطان على المسار السياسي ويجعلان مهمة دي ميستورا أكثر صعوبة.

فأي مفاوضات جادة تحتاج إلى بيئة تسمح بالحوار، بينما استمرار التوتر الميداني يجعل الانتقال إلى تسوية سياسية نهائية أكثر تعقيداً.

أما غياب الثقة، فيمثل مشكلة أعمق؛ لأنه لا يتعلق فقط بالخلاف حول صيغة الحل، بل بقدرة الأطراف على الدخول في مفاوضات تتطلب مرونة وتنازلات متبادلة.

  • القرار 2797 يغير قواعد اللعبة

ويأتي هذا التحرك في ظل المرجعية التي أفرزها قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي دعم جهود دي ميستورا ودعا الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات دون شروط مسبقة، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول.

كما عزز القرار موقع مقترح الحكم الذاتي المغربي داخل النقاش الأممي، باعتباره أساساً يمكن البناء عليه للوصول إلى تسوية سياسية.

وبذلك، فإن المرحلة الحالية تختلف عن مراحل سابقة؛ إذ لم تعد المشاورات تجري في فراغ سياسي، وإنما ضمن سياق أممي جديد يفرض على الأطراف التعامل مع معطيات ومرجعيات أكثر وضوحاً.

  • من إدارة النزاع إلى البحث عن التسوية
350 * 350

الرهان الحقيقي أمام دي ميستورا لا يتمثل فقط في إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، وإنما في القدرة على نقل المشاورات إلى مستوى أكثر تقدماً.

فالسنوات الماضية أظهرت أن استمرار الاتصالات وحده لا يكفي لإنهاء النزاع، وأن أي تقدم يحتاج إلى توافقات سياسية حقيقية مدعومة بإرادة دولية قادرة على دفع الأطراف نحو خيارات أكثر واقعية.

ومن هنا تبرز أهمية الدور الأمريكي؛ إذ يمكن لواشنطن، بحكم موقعها داخل مجلس الأمن وثقلها الدبلوماسي، أن توفر للمسار الأممي دعماً أكبر، خصوصاً إذا تحولت الاتصالات الحالية إلى مبادرة سياسية واضحة المعالم.

  • الميدان يضغط.. والسياسة تبحث عن مخرج

المفارقة أن المسار السياسي يتحرك في الوقت الذي لا تزال فيه التطورات الميدانية تلقي بظلالها على الملف.

وهذا يضع الأمم المتحدة أمام معادلة صعبة: كيف يمكن بناء مفاوضات سياسية مستقرة في ظل استمرار التوتر على الأرض؟

ويرى متابعون أن تجاوز هذه المعضلة يتطلب بالتوازي العمل على تهدئة الوضع الميداني وخلق ظروف سياسية تسمح للأطراف بالدخول في حوار أكثر جدية.

فلا يمكن لمسار تفاوضي أن يحقق اختراقاً كبيراً إذا ظلت الثقة غائبة، كما أن معالجة أزمة الثقة تصبح أكثر صعوبة عندما يستمر التوتر على الأرض.

  • اختبار حقيقي لدي ميستورا

المرحلة المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة دي ميستورا على استثمار الحضور الأمريكي والزخم الذي خلقته المرجعية الأممية الجديدة.

فالمبعوث الأممي يمتلك اليوم عناصر لم تكن متوافرة بالدرجة نفسها في مراحل سابقة: حراك دبلوماسي، تنسيق أمريكي، ومرجعية أممية جديدة.

لكن في المقابل، تظل هناك عقبات لا يمكن تجاوزها بالتصريحات وحدها، وفي مقدمتها غياب الثقة والتوتر الميداني وتباعد مواقف الأطراف.

ولهذا فإن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس بعدد اللقاءات التي يعقدها دي ميستورا، وإنما بقدرته على تحويل تلك اللقاءات إلى مسار تفاوضي عملي يحمل مؤشرات واضحة على إمكانية الوصول إلى تسوية.

  • هل تقترب لحظة الاختراق؟

المؤشرات الحالية لا تسمح بالقول إن الحسم بات قريباً، لكنها تؤكد أن ملف الصحراء يعيش مرحلة دبلوماسية نشطة، وأن الولايات المتحدة تواصل مواكبة جهود دي ميستورا في البحث عن مخرج سياسي.

ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا الزخم إلى نتائج ملموسة.

فبين مرجعية أممية جديدة، وحضور أمريكي متزايد، وتحركات متواصلة لدي ميستورا، مقابل استمرار التوتر وغياب الثقة، يقف الملف أمام اختبار حاسم: إما أن تتحول هذه الدينامية إلى مفاوضات أكثر جدية، أو أن يعود المسار إلى دائرة الانتظار والجمود.

وفي هذه المعادلة، سيكون السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة: هل تستطيع واشنطن ودي ميستورا كسر الجمود وفتح الطريق أمام تسوية سياسية نهائية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.