غضب طنجة يدخل الانتخابات.. العزوف أم التصويت العقابي؟

م.ب

طنجة – قبل أيام من موعد الانتخابات التشريعية، لا يدور النقاش في طنجة حول البرامج الانتخابية وأسماء المرشحين فقط، بل يتسلل إلى تفاصيل أكثر التصاقاً بالحياة اليومية للسكان: النظافة، الإنارة، المناطق الخضراء، جودة الخدمات وصورة المدينة في الفضاء العام.

ومع انطلاق الحملة الانتخابية لاقتراع 23 شتنبر، تطرح هذه الملفات سؤالاً سياسياً لا تملك الأحزاب ترف تجاهله: هل يمكن أن يتحول الاستياء من تدبير الشأن المحلي إلى عزوف عن التصويت، أم إلى تصويت عقابي ضد القوى التي يتحمل المواطنون مسؤوليتها السياسية؟

السؤال لا يحمل جواباً جاهزاً، لكنه يضع طنجة أمام واحد من أبرز رهانات الحملة: إقناع الناخب الغاضب بأن صندوق الاقتراع يمكن أن يكون وسيلة للتغيير، وليس مناسبة جديدة لتجديد فقدان الثقة.

  • مشاكل يومية تتحول إلى نقاش انتخابي

خلال الفترة الأخيرة، تصاعدت على مواقع التواصل الاجتماعي انتقادات مرتبطة بعدد من مظاهر التدبير اليومي للمدينة، مع تداول صور ومقاطع تتعلق بالنظافة والإنارة وبعض الفضاءات والمناطق الخضراء.

ومع دخول الاستحقاق التشريعي مرحلته الحاسمة، لم تعد هذه الصور مجرد مادة للنقاش المحلي، بل أصبحت جزءاً من السجال السياسي الذي يرافق الحملات الانتخابية.

فالناخب لا يفصل دائماً بين المستويات المختلفة للمسؤولية السياسية بالطريقة نفسها التي تفصل بها المؤسسات بينها. ولذلك قد تتحول تجربة المواطن مع الجماعة والمقاطعة والخدمات المحلية إلى عنصر يؤثر في موقفه من الأحزاب والمرشحين على المستوى الوطني.

وهنا تكمن صعوبة المعادلة بالنسبة إلى المتنافسين: كيف يقنع المرشح المواطن بأن صوته في الانتخابات التشريعية قادر على إنتاج تغيير يتجاوز المشاكل التي يراها أمام منزله كل يوم؟

  • بين العزوف والتصويت العقابي

الانتقادات الموجهة إلى تدبير المدينة لا تعني بالضرورة أن المواطن سيتجه إلى المقاطعة.

فهناك فرق سياسي مهم بين الناخب الذي يقرر عدم المشاركة، والناخب الذي يشارك بهدف معاقبة حزب أو تحالف أو مرشح.

ولهذا، فإن ارتفاع منسوب الاستياء قد يسلك مسارين مختلفين تماماً: الأول هو العزوف، والثاني هو التصويت العقابي.

وفي الحالة الثانية، يتحول الغضب من عامل يضعف المشاركة إلى عامل يعيد توزيع الأصوات بين المتنافسين.

هذه المعادلة هي التي تجعل الأيام الأخيرة من الحملة الانتخابية حاسمة بالنسبة إلى الأحزاب، خصوصاً في مدينة كبيرة وثقيلة انتخابياً مثل طنجة.

  • أحزاب تحاول فصل المحلي عن التشريعي

سعيد أهروش، رئيس مقاطعة السواني عن حزب الأصالة والمعاصرة، يقلل من إمكانية اختزال ظاهرة العزوف في مشاكل محلية بعينها.

فمن وجهة نظره، فإن عدم المشاركة الانتخابية يرتبط بتراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية، وبصورة المواطن عن الأحزاب والحكومات والمؤسسات، وليس بملف النظافة أو الإنارة وحدهما.

هذه القراءة تضع النقاش في سياق أوسع، إذ تعتبر أن استعادة المشاركة تحتاج إلى معالجة أزمة الثقة نفسها، وليس فقط إلى معالجة اختلال محدد في خدمة عمومية.

  • «الأحرار» يقرون بحساسية الوضع

في المقابل، يقر عصام الغاشي، القيادي في حزب التجمع الوطني للأحرار ونائب عمدة طنجة، بأن بعض مشاكل التدبير المحلي، ومن بينها النظافة والإنارة والمناطق الخضراء، يمكن أن تمنح دفعة لخطاب المقاطعة والدعوة إلى عدم المشاركة.

غير أنه يؤكد، في المقابل، أن مسؤولية الأحزاب تكمن في تعبئة المواطنين وتشجيعهم على المشاركة واختيار المرشحين الذين يرون فيهم القدرة على تمثيل مصالح البلاد.

ويضع الغاشي المنافسة في دائرة طنجة-أصيلة في إطار سباق قوي على المقاعد البرلمانية، معتبراً أن الحضور الميداني للمرشحين وارتباطهم بمشاكل المواطنين يمكن أن يكون عاملاً مؤثراً في تحديد مستوى المشاركة.

  • «البيجيدي» يفضل التصويت العقابي

أما حزب العدالة والتنمية، فيدفع بالنقاش نحو اتجاه آخر.

محمد بوزيدان، الكاتب الإقليمي للحزب ووكيل لائحته بدائرة طنجة-أصيلة، يقر بدوره بأن المشاكل التي يعيشها المواطن يومياً يمكن أن تعزز عدم الثقة في الأحزاب والمنتخبين.

350 * 350

لكن الحل الذي يقترحه مختلف: المشاركة بدل المقاطعة.

فبدلاً من الابتعاد عن صناديق الاقتراع، يدعو الحزب إلى تحويل الاستياء إلى تصويت، بما يسمح للمواطن بالتعبير عن موقفه من خلال اختيار من يراه الأجدر أو معاقبة من يعتبره مسؤولاً عن الوضع.

وبذلك تصبح الانتخابات، وفق هذه القراءة، آلية للمحاسبة السياسية بدل أن تتحول إلى مناسبة لتوسيع دائرة العزوف.

  • هل يدفع المواطن ثمن الخلط بين المحلي والوطني؟

المفارقة الأساسية في انتخابات طنجة تتمثل في أن جزءاً كبيراً من القضايا التي تشغل المواطن يومياً يرتبط بالتدبير المحلي، بينما الاقتراع المقبل يهم انتخاب أعضاء مجلس النواب.

لكن الناخب قد لا ينظر إلى المشهد من خلال التقسيم المؤسساتي نفسه.

فالانتماء الحزبي يجمع المستويات المختلفة، والسياسي الذي يظهر اليوم في الحملة الانتخابية قد يكون هو نفسه عضواً في مجلس محلي أو جزءاً من أغلبية تدبر جماعة أو مقاطعة.

ومن هنا، يمكن أن تنتقل مشاكل المدينة إلى الحملة التشريعية، حتى وإن لم تكن موضوعاً مباشراً للاقتراع.

  • مواقع التواصل تضاعف الضغط

وتفرض مواقع التواصل الاجتماعي نفسها كعامل جديد في هذه المعادلة.

فصورة واحدة لمشكلة في حي أو شارع يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى موضوع للنقاش العام، وتصبح مادة تستخدمها أطراف سياسية ضد خصومها.

وفي المقابل، تجد الأحزاب نفسها مطالبة بتقديم أجوبة سريعة على ملفات يعرفها المواطن من خلال تجربته اليومية، لا من خلال البيانات الانتخابية.

وهذا يرفع سقف التحدي أمام المرشحين: الخطاب الانتخابي وحده لم يعد كافياً؛ المواطن يريد أن يعرف ماذا سيتغير في حياته ومتى وكيف.

  • المشاركة.. المعركة التي تسبق النتائج

المنافسة في طنجة لن تكون فقط على عدد المقاعد البرلمانية، وإنما أيضاً على قدرة الأحزاب على الوصول إلى الناخبين وإقناعهم بالمشاركة.

ففي الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر 2026، سيكون حجم المشاركة أحد المؤشرات الأساسية التي ستسمح بقراءة مستوى الثقة السياسية، فيما سيكون توزيع الأصوات مؤشراً آخر على اتجاه المزاج الانتخابي داخل المدينة والدائرة.

ومن الناحية السياسية، فإن ارتفاع المشاركة مع تغير خريطة الأصوات سيكون له معنى مختلف تماماً عن ارتفاع العزوف.

الأول قد يعني أن الغضب تحول إلى فعل سياسي، بينما الثاني قد يعكس اتساع المسافة بين الناخب والعملية الانتخابية.

طنجة أمام اختبار الثقة

في نهاية المطاف، لا يمكن الجزم اليوم بأن مشاكل النظافة أو الإنارة أو غيرها ستؤدي إلى تراجع المشاركة في طنجة.

لكن المؤكد أن هذه الملفات أصبحت جزءاً من البيئة السياسية التي تتحرك داخلها الأحزاب خلال الحملة.

والاختبار الحقيقي سيكون في قدرة المرشحين على تحويل النقاش من تشخيص المشاكل إلى تقديم حلول قابلة للفهم والمساءلة.

فالمواطن الذي يرى مشكلة يومية أمام منزله قد لا يبحث عن خطاب سياسي طويل، وإنما عن إجابة بسيطة: ماذا ستفعلون؟

ومن هنا، قد تكون معركة طنجة في 23 شتنبر أكبر من مجرد سباق على المقاعد؛ إنها اختبار لقدرة الأحزاب على استعادة ثقة الناخب وإقناعه بأن المشاركة أكثر تأثيراً من العزوف.

وفي اللحظة التي تفتح فيها صناديق الاقتراع أبوابها، سيكون السؤال الحاسم واضحاً:

هل يتحول غضب طنجة إلى عزوف عن الانتخابات، أم يتحول إلى أصوات تعاقب وتكافئ؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.