أدوية السرطان تصل إلى مياه وجدة.. دراسة ترصد 5 مركبات ذات مخاطر بيئية

م.ب

 

كشفت دراسة علمية حديثة عن رصد آثار خمسة أدوية مستخدمة في علاج السرطان ضمن عينات من مياه الصرف والمياه المعالجة، إضافة إلى مياه جوفية بمنطقة وجدة، ما دفع الباحثين إلى تصنيف هذه المركبات ضمن المواد التي تستدعي أولوية مرتفعة أو مرتفعة جداً في مجال المراقبة البيئية.

وشملت الدراسة خمسة مركبات دوائية هي السيكلوفوسفاميد، والإيفوسفاميد، و5-فلورويوراسيل، والدوكسوروبيسين، والإيتوبوسيد، بالاعتماد على أعلى تركيزات سبق تسجيلها في مياه صرف مرتبطة بمركز لعلاج السرطان، ومياه خارجة من محطة لمعالجة المياه العادمة، إلى جانب بئر للمياه الجوفية بمنطقة وجدة.

 

وأُنجز البحث بمشاركة باحثين من جامعة محمد الأول بوجدة، ومركز الحسن الثاني للأنكولوجيا، والمركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس، والمركز الشرقي لعلوم وتقنيات الماء والبيئة، مستفيداً من تقاطع تخصصات مرتبطة بالبيئة والصيدلة وعلاج الأورام والعلوم الصحية.

واعتمد الباحثون منهجية جمعت بين معطيات استهلاك أدوية السرطان وخصائصها الكيميائية وقدرتها على الاستمرار في البيئة، وبين البيانات المتوفرة حول وجودها في المياه ومدى فعالية محطات معالجة المياه العادمة في التخلص منها، قبل مقارنتها بمؤشرات لتقدير الأولوية البيئية لكل مركب.

 

  • من العلاج إلى المياه

وتوضح الدراسة أن جزءاً من الأدوية أو نواتج تحولها داخل الجسم يمكن أن يطرح عبر الفضلات البشرية، ما يتيح انتقالها إلى شبكات الصرف الصحي، سواء لدى المرضى الذين يتلقون العلاج داخل المؤسسات الصحية أو الذين يستكملون بعض مراحل العلاج خارجها.

وتكتسب هذه المخلفات أهمية خاصة، وفق البحث، بالنظر إلى طبيعة الأدوية المعنية، التي تستهدف نمو الخلايا وانقسامها أو تتدخل في المادة الوراثية، بينما لا تضمن عمليات معالجة المياه العادمة بالضرورة إزالة جميع المركبات الدوائية بالمستوى نفسه.

ولهذا أخذ التقييم في الاعتبار عوامل متعددة، من بينها حجم استهلاك الدواء، وخصائصه البيولوجية والكيميائية، وقدرته على الاستمرار والحركة في البيئة، فضلاً عن سميته وإمكانية إزالته خلال مراحل معالجة المياه.

وأكد الباحثون أن الدراسة لا تمثل مسحاً شاملاً لشبكة المياه في وجدة، وإنما اعتمدت على قياسات سابقة وأعلى تركيزات مسجلة في المواقع التي شملها الرصد، بهدف تحديد المركبات التي تستحق اهتماماً أكبر في عمليات المراقبة المستقبلية.

 

  • 5-FU ضمن أبرز المركبات المثيرة للاهتمام
350 * 350

وأظهر التقييم أن المركبات الخمسة المدروسة تقع ضمن مستويات مرتفعة أو مرتفعة جداً من حيث أولوية المتابعة، مع اختلاف درجة الأولوية باختلاف المركب ونوع الوسط المائي والمؤشر المعتمد في التقييم.

وبرز دواء 5-فلورويوراسيل، المعروف اختصاراً بـ5-FU، في مؤشرات الخطر البيئي المزمن المحسوبة لمياه الصرف المرتبطة بالمستشفى والمياه الخارجة من محطة المعالجة، بينما ظهر الإيتوبوسيد والدوكسوروبيسين ضمن المركبات التي أثارت اهتماماً أكبر في المؤشرات المرتبطة بالتأثيرات الجينية.

أما في المياه الجوفية، فقد برز الدوكسوروبيسين ضمن المركبات ذات الأولوية الأعلى في التقييم، مع استمرار حضور 5-FU في مؤشرات المخاطر البيئية المزمنة.

وشددت الدراسة على ضرورة الفصل بين أنواع المخاطر التي جرى تقييمها، خصوصاً بين التأثيرات المزمنة المحتملة على الكائنات المائية والمؤشرات المرتبطة بالضرر الجيني، بدل اختزالها في مؤشر موحد.

 

  • مراقبة تأثير خليط الأدوية

ولم يقتصر البحث على دراسة كل مركب بشكل منفرد، بل تناول أيضاً احتمال وجود عدة أدوية في الوسط المائي نفسه، من خلال حساب التأثير التراكمي للمركبات عندما تسمح البيانات العلمية بذلك.

وأشارت النتائج إلى أهمية مواصلة مراقبة التأثير المجمع لهذه المواد في مياه الصرف، لكنها لا تثبت وجود تفاعل كيميائي بين الأدوية يؤدي بالضرورة إلى مضاعفة السمية، وإنما تعتمد على جمع التأثيرات المحتملة لكل مركب ضمن منهجية التقييم.

وبخصوص المياه الجوفية، تبنت الدراسة معايير أكثر تحفظاً بالنظر إلى حساسية هذا المورد، لكنها نبهت في المقابل إلى أن رصد أحد الأدوية داخل بئر لا يكفي وحده لإثبات مصدر التلوث أو تحديد المسار الذي سلكه المركب للوصول إلى المياه الجوفية.

 

وتوصي النتائج بتوسيع عمليات الرصد لتشمل نقاطاً مائية متعددة وفترات زمنية مختلفة، بما يسمح بتحديد مصادر هذه المركبات ومسارات انتقالها، فضلاً عن تقييم قدرة محطات المعالجة على إزالة كل دواء على حدة.

كما تبرز الدراسة أهمية إجراء قياسات موسمية، بالنظر إلى إمكانية تأثر تركيز المواد الدوائية بمستويات الاستهلاك، وحجم المياه المتدفقة، وفعالية عمليات المعالجة.

وتضع هذه النتائج منطقة وجدة أمام الحاجة إلى تعزيز مراقبة الملوثات الدوائية، خصوصاً في ظل أهمية الموارد المائية، مع إعطاء الأولوية للمركبات التي أظهرت الدراسة مؤشرات أعلى من حيث المخاطر البيئية المحتملة.

 

وتخلص الدراسة إلى أن التعامل مع مخلفات أدوية السرطان في المياه يتطلب نظاماً قائماً على تحديد الأولويات، إلى جانب توسيع نطاق القياسات مستقبلاً، بهدف تحديد مصادر هذه المركبات ومدى انتشارها وقدرتها على البقاء بعد عمليات المعالجة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.