تشير معطيات اقتصادية حديثة إلى أن الأسر المغربية شهدت خلال الفترة الأخيرة ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة الإنفاق الاستهلاكي، مدفوعة بتحسن مستويات الدخل وتراجع حدة الغلاء مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما يعكس بوادر انتعاش نسبي في الطلب الداخلي ودينامية أفضل للاقتصاد الوطني.
وحسب مؤشرات رسمية، فإن الدخل المتاح للأسر عرف تحسنًا تدريجيًا بفعل عدة عوامل، من أبرزها ارتفاع الأجور في بعض القطاعات، وتحسن مداخيل الأنشطة الفلاحية والخدماتية، إضافة إلى أثر التحويلات الاجتماعية وبرامج الدعم التي ساهمت في تخفيف الضغط على ميزانيات الأسر، خاصة ذات الدخل المحدود والمتوسط.
في المقابل، سجل معدل التضخم تراجعًا ملحوظًا بعد موجة ارتفاعات قوية عرفتها أسعار المواد الغذائية والطاقة خلال السنوات السابقة. هذا التراجع انعكس إيجابًا على القدرة الشرائية، حيث باتت الأسر قادرة على توجيه جزء أكبر من مداخيلها نحو الاستهلاك، بدل الاقتصار على تلبية الحاجيات الأساسية.
ويبرز هذا التحسن بشكل واضح في ارتفاع نفقات الاستهلاك النهائي للأسر، خصوصًا في مجالات الغذاء، والنقل، والخدمات، والتجهيزات المنزلية، ما يؤكد عودة الثقة تدريجيًا لدى المستهلك المغربي. كما ساهم تحسن الظروف المناخية خلال الموسم الفلاحي الأخير في دعم الدخل القروي، وهو ما انعكس بدوره على مستوى الإنفاق في عدد من المناطق.
ويرى خبراء اقتصاديون أن تعافي الاستهلاك الأسري يشكل رافعة أساسية للنمو الاقتصادي، بالنظر إلى الدور المحوري الذي يلعبه الطلب الداخلي في تحريك عجلة الاقتصاد، خاصة في ظل التحديات الخارجية وتقلبات الأسواق الدولية. غير أنهم يؤكدون في الوقت ذاته أن هذا التحسن يظل نسبيًا، ولا يخلو من تفاوتات بين الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية.
ورغم المؤشرات الإيجابية، لا تزال بعض الأسر تواجه ضغوطًا مرتبطة بارتفاع أسعار بعض المواد والخدمات الأساسية، إلى جانب تكاليف السكن والتعليم والصحة، ما يفرض مواصلة الجهود الرامية إلى تعزيز القدرة الشرائية وتحقيق توازن مستدام بين الدخل والإنفاق.
وفي المجمل، يعكس ارتفاع إنفاق الأسر المغربية مرحلة انتقالية نحو استقرار اقتصادي تدريجي، مدعوم بتحسن الدخل وتراجع الغلاء، مع تطلع إلى ترسيخ هذه الدينامية عبر سياسات اقتصادية واجتماعية قادرة على ضمان نمو شامل وتحسين مستوى عيش المواطنين.