مع دخول موريتانيا مرحلة جديدة من النقاش السياسي حول مستقبل الحكم، يعود ملف المأموريات الرئاسية إلى الواجهة، في وقت لم يعد فيه السؤال مقتصرا على ما إذا كان الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني سيغادر السلطة عند انتهاء مأموريته الحالية، وإنما امتد إلى شكل المرحلة التي ستلي عهده، وطبيعة التوازنات التي ستفرزها الأغلبية، وحدود قدرة النظام السياسي على ضمان انتقال هادئ للسلطة.
غير أن المعطيات الدستورية القائمة تجعل من الضروري ضبط هذا النقاش زمنيا وسياسيا؛ فالغزواني انتُخب لولاية ثانية في يونيو 2024، وأدى اليمين الدستورية في أغسطس من العام نفسه، فيما نص القسم الذي أداه صراحة على عدم اتخاذ أو دعم أي مبادرة تستهدف مراجعة الأحكام الدستورية المتعلقة بمدة الولاية وشروط تجديدها.
ومع ذلك، فإن إعادة طرح مسألة المأمورية الثالثة، التي أقر الناطق باسم الحكومة في يونيو 2026 بأنها كانت من بين القضايا التي أثيرت خلال المشاورات التمهيدية للحوار الوطني، تكشف أن الملف لم يعد مجرد نقاش هامشي، بل أصبح جزءا من اختبار أوسع لمستقبل النظام السياسي. وفي المقابل، شددت الحكومة على أن الغزواني حافظ على الحياد تجاه المقترحات المطروحة، في سياق التحضير لحوار وطني شامل.
- المأمورية الثالثة.. سؤال يتجاوز شخص الرئيس
لا تستمد قضية المأمورية الثالثة حساسيتها من الحسابات المرتبطة بشخص الغزواني فقط، بل من ارتباطها بمبدأ التداول على السلطة وبطبيعة النظام الدستوري الموريتاني. فالرئيس الحالي وصل إلى ولايته الثانية عبر انتخابات رئاسية جرت في يونيو 2024، وحصل خلالها على 56.12 في المائة من الأصوات، قبل أن يتولى مهامه رسميا في الثاني من أغسطس من السنة نفسها.
ومن ثم، فإن الحديث المبكر عن ولاية ثالثة لا يعني، في حد ذاته، وجود قرار سياسي بهذا الاتجاه، خصوصا في ظل عدم صدور إعلان رسمي من الغزواني بشأن تعديل قواعد المأموريات. لكنه يعكس، في المقابل، طبيعة القلق الذي بدأ يتصل بمرحلة ما بعد الرئيس، ولا سيما داخل معسكر الأغلبية الذي سيكون مطالبا، في نهاية المطاف، بإنتاج صيغة سياسية تضمن استمرار التماسك بعد انتهاء ولاية الرجل الذي شكل مركز الثقل داخل السلطة.
وتكتسب هذه النقطة أهمية إضافية مع إطلاق الحوار الوطني، الذي وقعت القوى السياسية وثيقته المرجعية في يوليو 2026، بعد مسار تحضيري استغرق أكثر من عام. وبذلك، تبدو مسألة المأموريات جزءا من نقاش سياسي أوسع حول قواعد اللعبة والمؤسسات ومستقبل التوافقات الوطنية، وليس مجرد مطلب انتخابي عابر.
- خلافة الغزواني.. المعركة المؤجلة
إذا كان الدستور يحدد الإطار القانوني للاستحقاقات الرئاسية، فإن السياسة تحدد في المقابل طبيعة المرحلة التي تسبقها. وهنا يبرز سؤال الخلافة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية داخل الأغلبية.
فالرئيس لا يزال في منتصف ولايته الثانية، وهو ما يجعل الحديث عن خليفة محدد سابقا لأوانه، كما أن تقديم أي شخصية باعتبارها “خليفة الغزواني” يظل في الوقت الراهن أقرب إلى القراءة السياسية منه إلى معطى مؤكد. وتظهر في المشهد شخصيات وازنة داخل الحكومة والدوائر المحيطة بالرئاسة، من بينها وزير الداخلية محمد أحمد ولد محمد الأمين، الذي يشغل موقعا سياسيا وأمنيا بارزا، لكن ذلك لا يرقى، وفق المعطيات الرسمية المتاحة، إلى إعلان ترشيح أو تبنٍّ لخلافة الرئيس.
وهكذا، فإن الرهان الحقيقي بالنسبة إلى الأغلبية لا يتعلق فقط بإبقاء الرئيس الحالي في السلطة أو عدمه، بل بقدرتها على إنتاج انتقال سياسي يحافظ على استقرار المؤسسات ويمنع تحوّل نهاية الولاية إلى بداية صراع داخلي على النفوذ.
- المغرب وموريتانيا.. علاقة تتجاوز ملف الصحراء
في موازاة النقاش الداخلي، تظل العلاقات المغربية الموريتانية أحد الملفات التي ستختبر إرث الغزواني الإقليمي. فقد عملت نواكشوط خلال السنوات الماضية على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف محيطها المغاربي والإفريقي، مع استمرار العلاقات الرسمية مع الرباط وتأكيد الطرفين رغبتهما في تطوير التعاون الثنائي.
ويعكس اعتماد السفير الموريتاني لدى المغرب سنة 2023، وما رافقه من تأكيد رسمي على تعزيز علاقات الأخوة والتعاون بين البلدين، استمرار المسار المؤسساتي للعلاقات الثنائية.

لكن البعد الأكثر حساسية يبقى مرتبطا بقضية الصحراء. فموريتانيا تقع جغرافيا وسياسيا في موقع يجعلها معنية مباشرة بتطورات النزاع، في الوقت الذي تحاول فيه الحفاظ على هامش من الحركة في علاقاتها مع المغرب والجزائر وبقية الفاعلين الإقليميين.
ومن هنا، فإن أي تعديل في لهجة نواكشوط بشأن النزاع لن يكون قرارا دبلوماسيا منفصلا، بل خطوة ينبغي أن تراعي موقع موريتانيا في معادلات المغرب العربي ومنطقة الساحل وغرب إفريقيا.
- القرار 2797.. قراءة أكثر دقة
ويفرض التطور الأممي الأخير المتعلق بقرار مجلس الأمن رقم 2797 لعام 2025 إعادة قراءة النقاش حول مستقبل الموقف الموريتاني. فالقرار يدعم جهود الأمين العام ومبعوثه الشخصي من أجل دفع العملية السياسية، ويؤكد ضرورة الوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، قائم على التوافق ومتسق مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، مع التأكيد على مبدأ تقرير المصير. كما يشير إلى مواصلة المشاورات مع المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا.
وعليه، فإن القول إن القرار منح “شرعية قانونية” لمقترح الحكم الذاتي باعتباره الحل الوحيد لا يعكس بدقة مضمون النص الأممي. الأدق هو أن القرار أشار إلى المقترح المغربي باعتباره أساسا للمفاوضات، من دون تحويله إلى أساس وحيد أو إغلاق الباب أمام مقترحات أخرى ضمن مسار سياسي يفضي إلى حل متوافق عليه. وهذه الدقة مهمة عند تقييم أي تحول محتمل في الموقف الموريتاني؛ لأن انتقال نواكشوط إلى موقف أكثر قربا من المبادرة المغربية، إن حدث، يمكن أن يقدم باعتباره انخراطا في دينامية التسوية السياسية، وليس بالضرورة انتقالا إلى الاصطفاف المباشر مع أحد طرفي النزاع.
- هل تقترب نواكشوط من الرباط؟
المؤشرات المتاحة لا تسمح، حتى الآن، بالقول إن موريتانيا بصدد إعلان تحول جذري في موقفها من قضية الصحراء. كما أن السياسة الخارجية الموريتانية ما تزال تقوم على تنويع الشراكات والحفاظ على علاقات متعددة الاتجاهات، وهو ما يظهر في حركتها الدبلوماسية خلال 2026 وانخراطها في ملفات إفريقية وأطلسية وأمنية مختلفة.
لكن موقع المغرب في الحسابات الاقتصادية والإقليمية لنواكشوط يجعل العلاقات الثنائية مرشحة لمزيد من التطور. فالمصالح التجارية، والقرب الجغرافي، والبعد الأطلسي، فضلا عن موقع البلدين ضمن فضاء غرب إفريقيا، كلها عوامل تدفع باتجاه تعزيز التعاون، من دون أن يعني ذلك تلقائيا تغييرا في الموقف الموريتاني من النزاع.
وبهذا المعنى، قد يكون السيناريو الأكثر واقعية، إذا أرادت نواكشوط الاقتراب من الرؤية المغربية، هو إعادة صياغة هادئة لمفهوم “الحياد” بدلا من التخلي عنه بصورة مفاجئة: دعم أكبر لمسار التسوية الأممية، انفتاح على المبادرة المغربية، وفي الوقت نفسه استمرار قنوات التواصل مع الجزائر وتجنب التحول إلى طرف مباشر في النزاع.
- إرث الغزواني بين الداخل والخارج
تبدو حصيلة الغزواني السياسية، في نهاية المطاف، مرشحة لأن تُقاس بمسارين متوازيين: الأول يتعلق بكيفية إدارة الانتقال السياسي بعد ولايته الثانية، والثاني بموقع موريتانيا داخل التوازنات المغاربية والإفريقية المتغيرة.
وفي الداخل، يمثل الحوار الوطني الجاري اختبارا مهما لقدرة السلطة والقوى السياسية على بناء توافقات تتجاوز الاستحقاقات الانتخابية المباشرة. أما في الخارج، فإن المحافظة على التوازن بين الرباط والجزائر، مع تعزيز العلاقات الاقتصادية والأمنية مع المغرب، ستظل معادلة دقيقة تحتاج إلى إدارة محسوبة.
لذلك، فإن السؤال الأهم في المرحلة المقبلة لن يكون بالضرورة: هل ستظهر مأمورية ثالثة؟ بل كيف ستتعامل موريتانيا مع اليوم التالي لولاية الغزواني، ومن سيكون قادرا على حمل مشروع الأغلبية إلى المرحلة المقبلة، وما إذا كان الرئيس سيترك وراءه قواعد واضحة لانتقال السلطة أم منظومة سياسية مرتبطة بشخصه.
وفي الملف الإقليمي، سيكون الاختبار مشابها: هل تواصل نواكشوط سياسة التوازن التقليدية تجاه قضية الصحراء، أم تنتقل تدريجيا إلى موقف أكثر قربا من المقاربة المغربية للحل السياسي؟ الإجابة عن السؤالين معا قد تحدد جانباً مهما من إرث الغزواني، ليس باعتباره رئيسا لولايتين فقط، وإنما باعتباره رئيسا أعاد ترتيب موقع موريتانيا في مرحلة إقليمية تتغير بسرعة.
وفي انتظار اتضاح هذه الخيارات، تظل موريتانيا أمام معادلة دقيقة: تثبيت قواعد التداول السياسي داخليا، وحماية هامش المناورة خارجيا، مع الاستفادة من التحولات المتسارعة في محيطها المغاربي والأطلسي والإفريقي. وهي معادلة ستجعل السنوات المتبقية من ولاية الغزواني حاسمة ليس فقط في تحديد شكل نهايته السياسية، بل أيضا في رسم ملامح الدولة التي ستأتي بعده.