المغرب وإفريقيا.. من استعادة الحضور إلى صناعة الشراكات الكبرى

م.ب

منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش سنة 1999، انتقلت السياسة الإفريقية للمغرب من منطق الحضور الدبلوماسي التقليدي إلى رؤية أكثر اتساعا، تجمع بين الدبلوماسية والاقتصاد والتنمية والأمن والبنية التحتية. وبعد العودة إلى الاتحاد الإفريقي سنة 2017، أخذ هذا التوجه زخما جديدا، تجسد في مشاريع ومبادرات عابرة للحدود، جعلت من الشراكة جنوب-جنوب إحدى ركائز التحرك المغربي داخل القارة.

على مدى سبعة وعشرين عاما، أعاد المغرب رسم موقعه داخل محيطه الإفريقي، مستندا إلى تصور يعتبر القارة فضاء للمصالح المشتركة ومجالا لبناء شراكات طويلة الأمد، وليس مجرد امتداد جغرافي للسياسة الخارجية. وقد تدرج هذا المسار من تكثيف العلاقات الثنائية والاستثمارات، إلى الانخراط المؤسساتي داخل الاتحاد الإفريقي، وصولا إلى إطلاق مشاريع ذات أبعاد إقليمية وقارية.

  • العودة إلى الاتحاد الإفريقي.. استعادة الحضور من الداخل

شكلت عودة المغرب إلى الاتحاد الإفريقي في يناير 2017 نقطة تحول أساسية في سياسته القارية، بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود. ولم تقتصر الخطوة على استعادة العضوية، بل مثلت انتقالا إلى العمل من داخل المؤسسات الإفريقية والمساهمة في الملفات التي ترتبط بأمن القارة وتنميتها واندماجها.

ومنذ ذلك التاريخ، عزز المغرب حضوره داخل آليات الاتحاد، بما في ذلك مجلس السلم والأمن، حيث انتُخب عضوا في المجلس سنة 2018 لفترة عامين، في سياق انخراطه في قضايا السلم والاستقرار ومواجهة التحديات الأمنية بالقارة.

وبذلك، تحولت العودة إلى الاتحاد الإفريقي من محطة دبلوماسية إلى منصة لتوسيع الحضور المغربي في النقاشات القارية، بالتوازي مع استمرار الدفاع عن المصالح الوطنية وبناء تحالفات وشراكات مع الدول والمؤسسات الإفريقية.

  • من العلاقات الثنائية إلى شراكات اقتصادية متعددة القطاعات

اقتصاديا، أخذ الحضور المغربي في إفريقيا شكلا أكثر مؤسساتية، مع توسع الاستثمارات والشراكات في قطاعات المالية والاتصالات والتأمين والفلاحة والطاقة والخدمات والبنية التحتية.

ولم يعد التعاون الاقتصادي محصورا في المبادلات التجارية، بل ارتبط بنقل الخبرات وتكوين الموارد البشرية وتطوير سلاسل الإنتاج. ويبرز القطاع الفلاحي نموذجا لهذا التوجه، من خلال مبادرات تستهدف دعم المزارعين الأفارقة وتحسين الولوج إلى الأسمدة والتقنيات الزراعية وتعزيز الإنتاجية والأمن الغذائي. كما امتد التعاون إلى بناء القدرات البشرية والمؤسساتية في مجالات متعددة.

هذه المقاربة تعكس تحولا من التعاون الظرفي إلى شراكات تسعى إلى خلق قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة، عبر الجمع بين الاستثمار ونقل المعرفة وتطوير القدرات المحلية.

  • المبادرة الأطلسية.. تحويل الواجهة البحرية إلى فضاء للتكامل

وفي امتداد لهذا التصور، برز البعد الأطلسي باعتباره أحد أبرز محاور الرؤية المغربية الجديدة تجاه القارة.

فالمبادرة الرامية إلى تمكين دول الساحل غير المطلة على البحر من الولوج إلى المحيط الأطلسي تطرح تصورا يتجاوز البعد اللوجستي، من خلال ربط الاقتصادات الساحلية بدول الساحل وتطوير شبكات النقل والموانئ والبنية التحتية، بما يمكن أن يفتح مسارات جديدة للتجارة والاستثمار.

ويتقاطع ذلك مع مسلسل الدول الإفريقية الأطلسية، الذي يهدف إلى جعل الواجهة الأطلسية مجالا للتعاون والاستقرار والازدهار المشترك. وفي هذا السياق، جرى التأكيد على أن البنية التحتية المغربية، بما فيها الموانئ والطرق والسكك الحديدية، يمكن أن تشكل جزءا من هذا التصور الرامي إلى تعزيز اندماج دول المنطقة.

350 * 350
  • أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب.. مشروع يتجاوز نقل الطاقة

ويأتي مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي نيجيريا-المغرب في مقدمة المشاريع التي تختزل هذا التحول، بالنظر إلى حجمه الجغرافي وأبعاده الاقتصادية والاستراتيجية.

فالمشروع، الذي يمتد لنحو 6800 كيلومتر، لا يستهدف نقل الغاز الطبيعي من نيجيريا إلى المغرب فحسب، بل يطمح إلى بناء بنية تحتية إقليمية قادرة على دعم الأمن الطاقي وتحفيز الاستثمار والاندماج الاقتصادي في غرب إفريقيا، مع إمكانية ربطه مستقبلا بشبكة الغاز الأوروبية.

وفي يوليوز 2026، دخل المشروع مرحلة مؤسساتية جديدة، عقب توقيع الدول الأعضاء في المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا على الاتفاق الحكومي الدولي المؤطر لتطويره خلال قمة المجموعة في فريتاون بسيراليون.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأنها نقلت المشروع من كونه مبادرة ثنائية بين المغرب ونيجيريا إلى مشروع ذي احتضان إقليمي أوسع. كما تفتح الطريق أمام إنشاء شركة المشروع وهيئة الحكامة الخاصة بالأنبوب، قبل الانتقال إلى تعبئة المستثمرين والتحضير للقرار النهائي للاستثمار.

وبهذا المعنى، لم يعد الأنبوب مجرد مشروع للطاقة، وإنما يُطرح باعتباره ممرا للتنمية والتكامل، يمكن أن يربط اقتصادات غرب إفريقيا ويعزز قدرتها على استقطاب الاستثمارات ودعم التصنيع وتحسين أمن الطاقة.

  • دبلوماسية المشاريع.. ملامح استراتيجية جديدة

تكشف هذه التحولات أن السياسة الإفريقية للمغرب أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على دبلوماسية المشاريع، حيث تتكامل المبادرة السياسية مع الاستثمار والبنية التحتية والتعاون التنموي.

فمن العودة إلى الاتحاد الإفريقي، مرورا بتوسيع الحضور الاقتصادي، ووصولا إلى المبادرة الأطلسية ومشروع أنبوب الغاز، يتشكل مسار يقوم على بناء روابط عملية ومصالح متبادلة، بدلا من الاكتفاء بالعلاقات الدبلوماسية التقليدية.

ويعزز هذا التوجه موقع المغرب كحلقة وصل بين شمال القارة وغربها وفضائها الأطلسي، خصوصا في ظل تنامي الحاجة الإفريقية إلى مشاريع الربط الطاقي واللوجستي والتكامل الاقتصادي.

  • 27 عاما.. من الحضور إلى صناعة الشراكة

بعد سبعة وعشرين عاما من اعتلاء الملك محمد السادس العرش، تبدو السياسة الإفريقية للمغرب وقد قطعت مسافة واضحة من مرحلة تثبيت العلاقات إلى مرحلة بناء مشاريع ذات امتداد إقليمي وقاري.

فالعودة إلى الاتحاد الإفريقي أعادت للمغرب حضوره المؤسساتي، بينما منح التوسع الاقتصادي والاستثماري لهذا الحضور بعدا عمليا، وجاءت المبادرات الأطلسية ومشاريع الطاقة لتدفع به نحو مستوى أكثر طموحا يقوم على الربط والتكامل وصناعة المصالح المشتركة.

وفي المحصلة، يبرز التحول الأساسي في كون إفريقيا لم تعد بالنسبة إلى المغرب مجرد مجال للتحرك الدبلوماسي، بل أصبحت جزءا من تصور استراتيجي أوسع، تتقاطع فيه التنمية مع الاقتصاد والطاقة والأمن والبنية التحتية.

وبقدر ما تتقدم هذه المشاريع من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ، يتجه المغرب إلى ترسيخ نموذج يقوم على الشراكة، والربط القاري، وتقاسم الخبرات والمصالح، واضعا التعاون جنوب-جنوب في قلب رهانه على بناء موقع أكثر تأثيرا داخل إفريقيا وعلى امتداد محيطها الأطلسي. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.