القانون 19.25 يدخل حيز التنفيذ ويضع قواعد جديدة لرعاية الحيوانات الضالة.. ونشطاء يطالبون بتوضيح مقتضيات الإطعام والتعقيم والتلقيح بدل الاكتفاء بالمقاربة الزجرية
عاد الجدل حول تدبير ظاهرة الحيوانات الضالة إلى الواجهة بالمغرب، عقب دخول القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها حيز التنفيذ، بعد نشره في الجريدة الرسمية خلال شهر غشت الماضي، وسط انتقادات من فعاليات جمعوية ومدنية بشأن بعض مقتضياته، ولا سيما تلك المرتبطة بإطعام الحيوانات أو إيوائها أو علاجها في الفضاءات العامة.
وتتركز أبرز مظاهر الجدل حول المادتين الخامسة والرابعة والأربعين، اللتين أصبحتا محط نقاش واسع، بعدما أثارتا مخاوف لدى مواطنين وجمعيات اعتادوا تقديم الطعام والمساعدة للقطط والكلاب الضالة في الشوارع والأحياء. وفي المقابل، يرى مدافعون عن القانون أن الغاية الأساسية منه تتمثل في وضع إطار منظم للتعامل مع ظاهرة الحيوانات الضالة، بما يراعي سلامة المواطنين والصحة العامة، إلى جانب حماية الحيوانات نفسها.
ويأتي هذا النقاش في سياق محاولة المشرع الانتقال من التعامل العشوائي مع الحيوانات الضالة إلى منظومة أكثر تنظيماً، تقوم على الرصد والجمع والرعاية والتلقيح والتعقيم والتتبع، مع تحديد المسؤوليات والجهات المكلفة بالتدخل، وإقرار مقتضيات زجرية لمواجهة بعض الممارسات التي قد تساهم في تفاقم الظاهرة أو تعريض الحيوانات والمواطنين للخطر.
- المادة الخامسة في قلب الجدل
وتنص المادة الخامسة من القانون على أنه لا يجوز لأي شخص أن يقوم برعاية حيوان ضال، سواء بإيوائه أو إطعامه أو علاجه، إلا وفق أحكام القانون ونصوصه التطبيقية.
وهذه الصياغة هي التي أثارت تساؤلات واسعة حول طبيعة الإطعام الذي أصبح خاضعاً للتنظيم القانوني، وما إذا كان الأمر يتعلق بمنع مطلق لإطعام الحيوانات في الشارع، أم بتنظيم هذه العملية ووضع شروط وضوابط لممارستها.
ويؤكد عدد من الفاعلين في مجال الرفق بالحيوان أن الإشكال لا يكمن في مبدأ تنظيم التعامل مع الحيوانات الضالة، وإنما في ضرورة توضيح الكيفية التي سيتم بها تطبيق هذه المقتضيات على أرض الواقع، حتى لا تتحول الأعمال التطوعية والإنسانية إلى مخالفات تستوجب العقوبة.
ويرى هؤلاء أن التمييز بين الإطعام العشوائي الذي قد يؤدي إلى تراكم الأوساخ أو جذب أعداد إضافية من الحيوانات إلى أماكن محددة، وبين الإطعام المنظم الذي يتم في إطار مبادرات جمعوية أو برامج للرعاية والتعقيم والتلقيح، يظل ضرورياً لضمان تطبيق متوازن للقانون.
- غرامات تصل إلى 2000 درهم
ويزداد الجدل حدة بسبب المادة 44، التي ترتب غرامة مالية تتراوح بين 500 و2000 درهم على مخالفة المقتضيات المتعلقة برعاية الحيوانات الضالة في الفضاءات العامة، بما يشمل الإطعام أو الإيواء أو العلاج خارج الإطار الذي حدده القانون.
ويعتبر حقوقيون وناشطون في مجال حماية الحيوان أن هذه العقوبات تحتاج إلى تنزيل واضح ودقيق، خصوصاً أن فئة واسعة من المواطنين تقدم الطعام والمساعدة للحيوانات الضالة بدافع إنساني، دون أن تكون لها أهداف تجارية أو أنشطة منظمة.
وفي المقابل، يبرز النقاش القانوني أن وجود العقوبة لا يعني بالضرورة تجريم كل مبادرة فردية بالطريقة نفسها، إذ يرتبط تطبيقها بمقتضيات القانون وشروطه والنصوص التنظيمية المرتبطة به، وهو ما يجعل مرحلة تنزيل القانون عاملاً حاسماً في تحديد كيفية التعامل مع مختلف الحالات.
- مطالب بتوضيح النصوص التطبيقية
وفي خضم هذا الجدل، يؤكد المستشار الجماعي العربي تابت أن جزءاً من النقاش الدائر حول القانون تحكمه، بحسب رأيه، مجموعة من المغالطات، موضحاً أن إطعام الحيوانات لا يمكن اختزاله في مفهوم “الجريمة” بشكل مطلق.
وأشار تابت إلى أن عدداً من مقتضيات القانون يرتبط بصدور نصوص تنظيمية تحدد كيفية التطبيق، معتبراً أن القانون يسعى إلى تنظيم عملية رعاية الحيوانات الضالة من خلال مجموعة من الإجراءات، من بينها التصريح بالحيوانات وفق آليات قانونية ورقمية ستتضح تفاصيلها مع صدور النصوص التنظيمية.
وتطرح هذه النقطة تحديداً إشكالاً عملياً أمام السلطات والجمعيات والمواطنين، إذ إن الانتقال من النص القانوني إلى التطبيق الميداني يتطلب تحديداً دقيقاً للمسؤوليات والضوابط والإجراءات، حتى لا تختلف طريقة تفسير المقتضيات من جماعة ترابية إلى أخرى أو من حالة إلى أخرى.
- قراءة قانونية: العقوبة موجودة لكن التنزيل يطرح أسئلة
من جانبه، يرى المحامي والباحث في الشأن القانوني عبد العزيز خليل أن القراءة القانونية للمقتضيات الجديدة تقود إلى وجود عقوبات مالية صريحة في حق من يخالف الشروط المحددة لرعاية الحيوانات الضالة في الفضاءات العامة.
وأوضح أن الغرامة التي تتراوح بين 500 و2000 درهم ترتبط، وفق مقتضيات القانون، بأفعال إطعام أو إيواء أو علاج الحيوانات الضالة في الأماكن العامة خارج الإطار الذي حدده التشريع.
غير أن خليل شدد في المقابل على أن التطبيق السليم لهذه المقتضيات يظل مرتبطاً بصدور ووضوح النصوص التنظيمية التي أحال عليها القانون، وهو ما يفتح المجال، بحسبه، أمام نقاش قانوني وحقوقي بشأن كيفية التنزيل العملي.
واعتبر أن الإشكال الأساسي يكمن في ضرورة التمييز بين ما يمكن وصفه بـ”الإطعام العشوائي”، الذي قد تكون له انعكاسات على الصحة العامة والنظافة والسلامة، وبين العمل الجمعوي المنظم الذي يهدف إلى إنقاذ الحيوانات وإطعامها وعلاجها في إطار برامج التعقيم والتلقيح والرعاية.
ويرى خليل أن عدم وجود تمييز دقيق بين الحالتين قد يفتح الباب أمام تأويلات مختلفة عند تطبيق المقتضيات الزجرية، داعياً إلى ضمان عدم تحول حماية الحيوانات إلى وسيلة لمعاقبة المبادرات المدنية والإنسانية المنظمة.

- الجمعيات ترفض المقاربة الزجرية
وتواجه المقتضيات الجديدة بانتقادات قوية من عدد من الجمعيات والناشطين في مجال الرفق بالحيوان، الذين يعتبرون أن معالجة ظاهرة الحيوانات الضالة لا يمكن أن تقوم على المنع والعقوبات وحدهما.
وتطالب هذه الفعاليات بتوضيح المواد التي أثارت الجدل، خصوصاً المادتين الخامسة والرابعة والأربعين، ووضع آليات واضحة تسمح للجمعيات والمتطوعين بمواصلة تقديم الرعاية للحيوانات في إطار قانوني ومنظم.
كما تدعو إلى اعتماد برامج مستدامة تقوم على التعقيم والتلقيح والرعاية، باعتبارها وسائل للحد من تكاثر الحيوانات الضالة وتقليص أعدادها على المدى المتوسط والبعيد.
وترى الجمعيات أن أي مقاربة ناجعة ينبغي أن تجمع بين حماية المواطنين والحفاظ على الصحة العامة من جهة، واحترام الرفق بالحيوان من جهة أخرى، مع إشراك المجتمع المدني في وضع وتنفيذ البرامج الميدانية.
- من “الإطعام” إلى التعقيم والتلقيح
ويضع القانون الجديد مجموعة من الآليات المرتبطة بتدبير الحيوانات الضالة، في محاولة للانتقال من التدخلات الفردية والمتفرقة إلى منظومة مؤسساتية أكثر تنظيماً.
وتشمل هذه المنظومة عمليات رصد الحيوانات الضالة وجمعها ونقلها واستقبالها، إلى جانب تقييم حالتها الصحية والسلوكية، وتوفير الإطعام والعلاج والتلقيح، واعتماد وسائل علمية للحد من تكاثرها.
كما يتيح الإطار القانوني إمكان إعادة بعض الحيوانات إلى محيطها بعد إخضاعها للتعقيم والتلقيح والترقيم، أو تسليمها إلى أشخاص يرغبون في رعايتها، وفق الشروط المحددة قانوناً.
ويبرز هذا الجانب أهمية المقاربة الوقائية، خصوصاً أن استمرار تكاثر الحيوانات الضالة دون برامج منتظمة للتعقيم والتلقيح يساهم في إعادة إنتاج الظاهرة مهما كانت التدخلات الظرفية التي تقوم بها السلطات أو الجماعات الترابية.
- تعديل العقوبات قبل المصادقة النهائية
ولم يصل القانون إلى صيغته الحالية من دون نقاش برلماني واسع، خصوصاً في ما يتعلق بالشق الزجري.
فخلال مناقشة مشروع القانون، شهدت لجنة القطاعات الإنتاجية بمجلس النواب تعديلات مهمة على العقوبات المقترحة، من بينها تخفيف الغرامة المرتبطة بإطعام أو إيواء أو علاج الحيوانات الضالة في الفضاءات العامة، حيث تم اعتماد غرامة تتراوح بين 500 و2000 درهم.
كما جرى حذف العقوبة الحبسية التي كانت واردة في الصيغة الأصلية للمادة 38، والتي كانت تنص على الحبس من شهر إلى ثلاثة أشهر وغرامة مالية تتراوح بين 5000 و15000 درهم، أو إحدى العقوبتين، في حق من يتسبب عمداً في تعريض حيوان للخطر.
وتوجه المشرع، بذلك، نحو إعادة ضبط الجانب الزجري للقانون، مع الإبقاء على العقوبات المالية لمواجهة بعض المخالفات.
- قانون جديد أمام اختبار التطبيق
ومع دخول القانون 19.25 حيز التنفيذ، ينتقل النقاش من مرحلة التشريع إلى مرحلة التطبيق، وهي المرحلة التي ستحدد مدى نجاح المقتضيات الجديدة في معالجة ظاهرة ظلت لسنوات من الملفات المطروحة أمام الجماعات الترابية والسلطات المحلية والمجتمع المدني.
ويبدو أن التحدي الأكبر لا يرتبط فقط بفرض العقوبات، وإنما بقدرة الجهات المعنية على توفير البنيات والآليات التي تجعل من الرعاية والتعقيم والتلقيح والتتبع برامج فعلية ومنتظمة على أرض الواقع.
كما أن وضوح النصوص التنظيمية سيظل عاملاً أساسياً في تفادي تضارب التأويلات، خصوصاً بالنسبة إلى المواطنين والجمعيات التي تتعامل يومياً مع الحيوانات الضالة.
- بين حماية المواطن والرفق بالحيوان
ويضع القانون الجديد السلطات أمام معادلة دقيقة: حماية المواطنين من المخاطر الصحية والأمنية المرتبطة بانتشار الحيوانات الضالة، وفي الوقت نفسه ضمان التعامل معها وفق قواعد الرفق والحماية وعدم التعذيب.
وبينما ترى الجهات الداعمة للقانون أن تنظيم الظاهرة أصبح ضرورة ملحة، تخشى جمعيات وناشطون من أن تؤدي بعض المقتضيات، إذا طبقت بشكل موسع أو دون تمييز، إلى التضييق على المبادرات الإنسانية التي تقوم بها فئات من المجتمع المدني.
وبذلك، يبدو أن مستقبل القانون 19.25 لن يتحدد فقط بما ورد في مواده، وإنما أيضاً بكيفية تنزيله على أرض الواقع، وبمدى نجاح النصوص التنظيمية المنتظرة في وضع قواعد واضحة توازن بين متطلبات الصحة والسلامة العامة، وحقوق الحيوانات، ودور المجتمع المدني في رعايتها.
وفي انتظار استكمال منظومة التطبيق، يستمر الجدل في الشارع المغربي حول السؤال الأساسي الذي أفرزه القانون الجديد: كيف يمكن تنظيم إطعام ورعاية الحيوانات الضالة دون تحويل العمل الإنساني إلى مخالفة، ودون ترك ظاهرة الحيوانات في الفضاء العام من دون معالجة مستدامة؟