رئيس الحكومة يعرض أمام منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية حصيلة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.. من توسيع الحماية الاجتماعية إلى جذب الاستثمارات وتعزيز الصناعة والطاقة والماء
لم يعد السؤال بالنسبة إلى المغرب هو كيفية الخروج من تداعيات الأزمات المتتالية، بقدر ما أصبح مرتبطاً بقدرته على تحويل تلك الأزمات إلى فرصة لإعادة بناء نموذج اقتصادي واجتماعي أكثر صموداً وتنافسية.
بهذه الرسالة ظهر رئيس الحكومة عزيز أخنوش، الإثنين بباريس، أمام منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، مقدماً صورة واسعة عن مسار الإصلاحات التي باشرتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، في ظرف دولي اتسم بتداعيات جائحة كورونا، وارتفاع الأسعار، والتوترات الجيوسياسية، وتوالي سنوات الجفاف والضغط المتزايد على الموارد المائية.
الخطاب الحكومي حمل أرقاماً كبيرة في مجالات الحماية الاجتماعية والاستثمار والصناعة والطاقة والبنيات التحتية، لكنه كشف في المقابل عن معادلة أكثر تعقيداً: المغرب نجح في الحفاظ على قدر مهم من الاستقرار الاقتصادي، إلا أن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة سيكون تحويل هذه الاستثمارات والإصلاحات إلى مزيد من فرص الشغل، خصوصاً للشباب والنساء، وتحسين ملموس في جودة الخدمات العمومية.
- من مواجهة الأزمات إلى بناء “الدولة الاجتماعية”
في قلب الحصيلة التي قدمها أخنوش يوجد ورش الحماية الاجتماعية، الذي تحول خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز التحولات المؤسساتية في المغرب.
وبحسب المعطيات الحكومية، استفاد أكثر من 11 مليون شخص من نظام التأمين الإجباري عن المرض، فيما توسعت قاعدة المستفيدين من منظومة الحماية الاجتماعية لتشمل ملايين الأسر والفئات التي كانت خارج التغطية.
أما برنامج الدعم الاجتماعي المباشر، فقد تجاوزت التحويلات المرتبطة به 51 مليار درهم منذ إطلاقه في دجنبر 2023 إلى نهاية 2025، لفائدة نحو 3.9 ملايين أسرة. وتؤكد المعطيات الرسمية أن البرنامج أصبح أحد أكبر مكونات السياسة الاجتماعية الجديدة، مع توجه نحو جعله أداة للاستهداف الاجتماعي وليس مجرد تحويلات مالية للأسر.
وهنا تكمن إحدى أهم دلالات المرحلة الجديدة: الدولة المغربية لا تكتفي، وفق التصور الحكومي، بتوسيع الدعم، وإنما تحاول الانتقال إلى منظومة اجتماعية تعتمد على الاستهداف الرقمي وقواعد البيانات وربط الدعم بالاستحقاق.
غير أن نجاح هذا الورش لن يقاس فقط بعدد المستفيدين أو حجم الأموال المرصودة، بل بقدرته على تحسين مستوى المعيشة، والحد من الهشاشة، وضمان استدامة تمويل الحماية الاجتماعية على المدى الطويل.
- الصحة والتعليم.. الإصلاح ينتقل إلى الميدان
في قطاع الصحة، قدم رئيس الحكومة أرقاماً تعكس حجم الورش الجاري لتأهيل البنية الصحية، بالتوازي مع إصلاح منظومة الحكامة والموارد البشرية.
ويأتي ذلك في سياق سبق أن شددت فيه الحكومة على تأهيل المؤسسات الصحية وتطوير المستشفيات الجامعية وتوسيع العرض الصحي، باعتبار أن تعميم التغطية الصحية لا يمكن أن يحقق أهدافه دون رفع قدرة المنظومة الصحية على استقبال المواطنين وتقديم خدمات ذات جودة.
أما التعليم، فيتقدم من خلال تجربة “المدارس الرائدة” التي اتسعت رقعتها تدريجياً، مع توجه نحو تعميم التجربة وتوسيعها إلى التعليم الإعدادي.
لكن الرهان الأكبر سيظل مرتبطاً بجودة التعلمات وليس فقط بعدد المؤسسات المستفيدة من الإصلاح، خصوصاً أن الاقتصاد المغربي يحتاج إلى موارد بشرية أكثر تأهيلاً لمواكبة التحول الصناعي والتكنولوجي الذي تسعى المملكة إلى ترسيخه.
- الاقتصاد يحافظ على التوازن.. والنمو يعود بقوة
الأرقام الاقتصادية تشكل إحدى أبرز نقاط القوة في الحصيلة المقدمة بباريس.
فقد سجل الناتج الداخلي الإجمالي للمغرب نمواً بنسبة 4.9% سنة 2025، مقابل 4.4% في 2024، وفق أحدث معطيات المندوبية السامية للتخطيط. وساهم تحسن النشاط الفلاحي، إلى جانب استمرار دينامية الأنشطة غير الفلاحية والطلب الداخلي، في دعم هذا الأداء.
وفي الوقت نفسه، سجل التضخم السنوي متوسطاً بلغ 0.8% خلال 2025، وفق المندوبية السامية للتخطيط، وهو ما يعكس تراجعاً كبيراً في الضغوط السعرية مقارنة بالسنوات التي شهدت موجة تضخمية عالمية قوية.
أما على مستوى المالية العمومية، فتتجه المملكة إلى مواصلة خفض عجز الميزانية تدريجياً مع الحفاظ على مستوى مرتفع من الاستثمار العمومي.
وتتوقع منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية نمو الاقتصاد المغربي بنحو 5% خلال 2026، مع استمرار الاستثمار في البنيات التحتية والمشاريع الكبرى كأحد محركات النشاط الاقتصادي. كما تؤكد المنظمة أن المغرب قطع خطوات مهمة في الإصلاحات المرتبطة بالحماية الاجتماعية والاستثمار، لكنها تشدد في المقابل على ضرورة تعزيز الإنتاجية والمنافسة ورفع مشاركة النساء في سوق العمل.
- الاستثمار.. المغرب يراهن على المشاريع الكبرى
في واجهة التحول الاقتصادي يوجد الاستثمار.
المعطيات الحكومية تشير إلى أن اللجنة الوطنية للاستثمارات وافقت، منذ دخول ميثاق الاستثمار الجديد حيز التنفيذ، على 381 مشروعاً بقيمة إجمالية تقارب 580 مليار درهم، مع توقع إحداث أكثر من 245 ألف منصب شغل.
وتعكس هذه الأرقام رغبة واضحة في الانتقال من سياسة جذب الرساميل إلى سياسة تستهدف المشاريع ذات القيمة المضافة والقدرة على خلق سلاسل إنتاج محلية وإقليمية.
لكن التحدي هنا لا يتعلق فقط بحجم الاستثمارات، وإنما بقدرتها على إنتاج وظائف مستدامة وذات قيمة، ورفع إنتاجية المقاولات المغربية، وتعزيز اندماج الشركات الوطنية في سلاسل القيمة العالمية.
وهذه النقطة تحديداً تحظى بأهمية خاصة في تقييم منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، التي ترى أن الاستثمار الخاص المحلي والإنتاجية ومشاركة النساء في سوق الشغل ما تزال من الملفات التي تحتاج إلى دفعة إضافية.
- من السيارات إلى السياحة.. اقتصاد يبحث عن تنويع مصادر القوة
أحد أبرز وجوه التحول الاقتصادي المغربي يتمثل في صعود الصناعة التصديرية، وعلى رأسها صناعة السيارات.

فالقطاع أصبح خلال سنوات قليلة أحد المحركات الرئيسية للصادرات المغربية، بالتوازي مع توسع منظومة الموردين والمكونات الصناعية المرتبطة به.
وفي السياحة، يواصل المغرب الاستفادة من تنوع عرضه السياحي ومن قدرته المتزايدة على جذب الزوار والأسواق الدولية، بينما يفرض اقتراب استحقاقات كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، تسريع الاستثمار في الفنادق والنقل والمطارات والخدمات.
لكن الأرقام وحدها لا تكفي. فالمعيار الأكثر أهمية سيكون قدرة هذه القطاعات على خلق فرص عمل مستقرة ورفع القيمة المضافة المحلية، وليس فقط زيادة الصادرات أو أعداد السياح.
- الماء.. الملف الذي فرض نفسه كأولوية سيادية
إذا كان الاقتصاد يمثل أحد أوجه التحول، فإن الماء يمثل الوجه الآخر للأزمة التي تواجه المغرب.
سنوات الجفاف المتتالية دفعت المملكة إلى إعادة تعريف الأمن المائي باعتباره قضية استراتيجية تتجاوز تدبير الموارد التقليدي.
ولهذا تتجه الدولة إلى تعبئة استثمارات ضخمة في السدود، ونقل المياه بين الأحواض، وتحلية مياه البحر، وإعادة استعمال المياه العادمة، إلى جانب الربط بين منظومات الإنتاج والتوزيع.
وتكتسب مشاريع التحلية أهمية متزايدة في هذا السياق، خصوصاً مع انتقال المغرب تدريجياً من الاعتماد الكبير على التساقطات إلى تنويع مصادر المياه.
غير أن التحدي لا يكمن فقط في بناء محطات جديدة، بل في ترشيد الاستهلاك، وتقليص ضياع المياه، وإعادة النظر في بعض أنماط الإنتاج الزراعي التي تستهلك كميات كبيرة من الموارد المائية.
- الطاقة الخضراء.. ورقة المغرب في المنافسة العالمية
بالتوازي مع أزمة الماء، يحاول المغرب تحويل موقعه الجغرافي وإمكاناته الطبيعية إلى مصدر جديد للقوة الاقتصادية.
وقد رفع المملكة طموحها في مجال الطاقات المتجددة إلى أكثر من 52% من مزيج الكهرباء بحلول 2030، في إطار استراتيجية تستهدف تعزيز الطاقة النظيفة وتقليص الانبعاثات ورفع تنافسية الاقتصاد.
ويأتي الهيدروجين الأخضر ضمن الرهانات الجديدة، إذ تراهن المملكة على جذب استثمارات ضخمة وتطوير صناعة مرتبطة بالطاقة النظيفة يمكن أن تجعل المغرب فاعلاً مهماً في سلاسل القيمة الأوروبية والدولية.
غير أن نجاح هذه الاستراتيجية سيبقى رهيناً بقدرة المغرب على تحويل الطاقة المتجددة إلى صناعة وفرص شغل وصادرات، وليس الاكتفاء بإنتاج الكهرباء النظيفة.
- طنجة المتوسط.. عندما تتحول الجغرافيا إلى قوة اقتصادية
ولعل أفضل مثال على التحول الذي يصفه أخنوش هو ميناء طنجة المتوسط.
فالمركب المينائي عالج أكثر من 11.1 مليون حاوية مكافئة لعشرين قدماً خلال 2025، بزيادة بلغت 8.4% مقارنة بسنة 2024، ليؤكد موقعه كواحد من أهم مراكز الربط اللوجستي بين أوروبا وإفريقيا وباقي الأسواق العالمية.
ومع دخول مشاريع مينائية جديدة، من بينها الناظور غرب المتوسط، واستمرار تطوير البنيات اللوجستية، يراهن المغرب على تحويل موقعه الجغرافي من مجرد ميزة طبيعية إلى منصة اقتصادية متكاملة.
وهذا التحول يكتسب أهمية أكبر مع اقتراب كأس العالم 2030، الذي ينظر إليه المغرب باعتباره فرصة لتسريع مشاريع النقل والمطارات والموانئ والطرق والسكك والخدمات.
- لكن هناك سؤالاً أكبر: هل تصل ثمار النمو إلى سوق الشغل؟
رغم كل هذه المؤشرات، يبقى التشغيل الاختبار الأكثر حساسية أمام النموذج الاقتصادي الجديد.
فالمندوبية السامية للتخطيط، في معطيات الربع الثاني من 2026، كشفت عن استمرار فجوة كبيرة بين الرجال والنساء في المشاركة في سوق العمل؛ إذ بلغ معدل المشاركة 66.5% لدى الرجال مقابل 18.1% لدى النساء. كما أن المنهجية الجديدة للبحث حول سوق الشغل أصبحت أكثر تشدداً في تعريف البطالة، ما يستدعي الحذر عند مقارنة الأرقام الجديدة بالسلاسل السابقة.
وهذا يعني أن المعركة المقبلة لن تكون فقط معركة نمو، بل معركة جودة النمو.
فالمغرب يحتاج إلى اقتصاد يستطيع خلق وظائف أكثر، خصوصاً للشباب، ورفع مشاركة النساء، وتقليص الاقتصاد غير المهيكل، وربط التعليم باحتياجات الصناعة والخدمات الحديثة.
- مغرب ما بعد الأزمات.. مرحلة جديدة أم اختبار جديد؟
من باريس، حاول رئيس الحكومة تقديم صورة لمغرب استطاع، رغم الصدمات الخارجية والجفاف والضغوط التضخمية، الحفاظ على توازناته والاستمرار في تنفيذ إصلاحات هيكلية.
لكن الأرقام، مهما كانت قوية، لا تعني أن المهمة انتهت.
المغرب يقف اليوم أمام مرحلة أكثر تعقيداً: الحفاظ على الاستقرار المالي، وتسريع النمو، وتمويل الدولة الاجتماعية، وتأمين الماء والطاقة، وخلق فرص الشغل، ورفع الإنتاجية، وتعزيز تنافسية المقاولات، وكل ذلك في بيئة دولية شديدة التقلب.
وتبدو كأس العالم 2030، بالنسبة إلى الحكومة، أكثر من مجرد موعد رياضي؛ إنها فرصة لاختبار قدرة المملكة على تحويل المشاريع الكبرى إلى قاطرة اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد.
وبينما تُظهر المؤشرات الرسمية أن الاقتصاد المغربي دخل بالفعل مرحلة أكثر صموداً، فإن الاختبار الحقيقي سيبدأ عندما تنتقل هذه الأرقام من التقارير والمؤسسات إلى الحياة اليومية للمواطن: وظيفة أفضل، خدمة صحية أكثر جودة، مدرسة أكثر فعالية، ماء أكثر أمناً، واستثمار ينتج قيمة مضافة وفرصاً حقيقية.