مقالع الحجارة بالفحص-أنجرة.. الغبار يستفز السكان ومخاوف على الآبار والمياه

م.ب

بين الغبار المتطاير من عمليات تكسير الحجارة، ودوي الانفجارات الناتجة عن استعمال المتفجرات في عمليات الاستخراج، ومخاوف متزايدة بشأن وضعية الآبار والعيون، يجد عدد من سكان إقليم الفحص-أنجرة أنفسهم أمام أسئلة مقلقة حول الكلفة البيئية والصحية لاستمرار نشاط مقالع الحجارة بالقرب من مناطقهم السكنية والفلاحية.

ففي الوقت الذي تشكل فيه هذه المقالع مصدرا أساسيا لمواد البناء وتساهم في مواكبة الأوراش الكبرى التي شهدتها جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، يرى فاعلون محليون أن توسع النشاط داخل مجال جغرافي محدود يستدعي تشديد المراقبة والتأكد من مدى احترام شروط الاستغلال وإعادة تأهيل المواقع بعد انتهاء العمل بها.

  • تاغرامت وأنجرة في قلب الجدل

تتركز أغلب المقالع النشيطة، وفق معطيات الفاعلين المحليين، بجماعة تاغرامت، إلى جانب وجود مقالع أخرى بجماعة أنجرة، وهو ما يثير مخاوف بشأن الضغط الذي بات يعرفه المجال الطبيعي بهذه المناطق.

ويقول فاعلون محليون إن قرب عدد من المقالع من المساكن والدواوير يزيد من حدة التأثيرات التي يشتكي منها السكان، خصوصا مع تكرار عمليات تفجير الصخور واستخراج الحجارة.

ويرى هؤلاء أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بمشهد عمراني أو نشاط اقتصادي، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بمصادر المياه والفلاحة وتربية الماشية وجودة الهواء.

  • الغبار.. معاناة يومية للسكان والفلاحين

من أبرز الإشكالات التي يثيرها سكان المناطق المجاورة للمقالع الغبار الناتج عن عمليات استخراج وتكسير ونقل الحجارة.

وبحسب تصريحات فاعلين محليين، فإن كميات الغبار المتطايرة تستقر على الأشجار المثمرة والمراعي، وهو ما يثير مخاوف بشأن انعكاساتها على الإنتاج الفلاحي والماشية، فضلا عن تأثيرها المحتمل على جودة الهواء وراحة السكان.

ويطالب المتضررون، في هذا السياق، بضرورة مراقبة مدى احترام الشركات للإجراءات المفروضة للحد من انتشار الغبار، وعلى رأسها استعمال المياه أثناء عمليات التكسير والاشتغال داخل مواقع الاستغلال.

  • هل تتأثر الآبار والعيون؟

الجانب الأكثر حساسية في هذا الملف يرتبط بالمياه.

فبحسب يوسف اللغميش، الكاتب الإقليمي لفرع العصبة المغربية لحقوق الإنسان بالفحص-أنجرة، فإن استعمال المتفجرات في استخراج الحجارة قد تكون له انعكاسات على الموارد المائية، من خلال ما وصفه بتغيير مجاري المياه وإحداث تصدعات في الصخور والفرشة المائية، وهو ما قال إنه يساهم في نضوب بعض العيون والآبار وانخفاض منسوبها.

وتبقى هذه المخاوف، وفق الفاعلين المحليين، بحاجة إلى قياسات ودراسات ميدانية علمية ومستقلة لتحديد مدى ارتباط التغيرات التي تعرفها الموارد المائية بنشاط المقالع، خصوصا في المناطق التي يعتمد سكانها على الآبار والعيون في أنشطتهم اليومية والفلاحية.

  • المشكلة ليست في المقالع فقط.. بل في طريقة الاستغلال

ولا يضع الفاعلون المدنيون نشاط المقالع في حد ذاته موضع رفض، باعتبار أن القطاع يوفر مواد أساسية للبناء ويساهم في تلبية حاجيات المشاريع والأوراش الكبرى.

غير أن الإشكال، وفق سعيد شكري، رئيس مرصد حماية البيئة والمآثر التاريخية بطنجة، يرتبط أساسا بمدى احترام شروط الترخيص على أرض الواقع، خاصة عندما تكون المقالع قريبة من التجمعات السكنية أو تتعدد داخل مجال جغرافي محدود.

350 * 350

ويطرح هذا الوضع سؤالا أساسيا: هل تتطابق الممارسة اليومية داخل المقالع مع الالتزامات المحددة في دفاتر التحملات؟

  • دعوات لتفعيل المراقبة

ويطالب فاعلون محليون بالانتقال من معالجة الشكايات المتفرقة إلى تشخيص شامل للوضع البيئي والمجالي بالإقليم، يتضمن جردا دقيقا للمقالع ووضعيتها القانونية، ومدى توفرها على الدراسات والتراخيص المطلوبة، إضافة إلى تقييم الالتزامات البيئية المفروضة عليها.

كما تبرز الدعوات إلى ضرورة إجراء قياسات ميدانية للغبار والجسيمات العالقة في الهواء، ومستويات الضجيج والاهتزازات الناتجة عن عمليات التفجير، إلى جانب فحص وضعية المياه الجوفية والتربة والغطاء النباتي.

ولا تقل حركة الشاحنات الثقيلة أهمية عن باقي الإشكالات، إذ يطالب الفاعلون بتقييم تأثيرها على الطرق والسكان والمجالات الفلاحية، خصوصا في المناطق التي تعرف كثافة في نشاط المقالع.

  • الأثر التراكمي يطرح سؤالا أكبر

من بين النقاط التي تحظى باهتمام خاص في هذا الملف الأثر التراكمي للمقالع المتقاربة.

فحتى إذا كان كل مقلع يخضع بشكل منفرد لشروط قانونية وبيئية محددة، فإن وجود عدة مواقع للاستغلال داخل المجال نفسه يطرح سؤالا مختلفا: ما حجم التأثير عندما تجتمع عمليات التفجير والتكسير ونقل الحجارة والغبار والضجيج في منطقة واحدة وعلى مدى سنوات؟

وهنا تبرز الحاجة، بحسب الفاعلين البيئيين، إلى تقييم شامل لا يكتفي بدراسة كل مقلع بشكل منفصل، وإنما ينظر إلى مجموع الأنشطة وتأثيرها المشترك على السكان والموارد الطبيعية.

  • بين التنمية وحماية السكان

وتكشف قضية مقالع الحجارة بالفحص-أنجرة عن معادلة دقيقة بين الحاجة إلى مواد البناء ومواكبة المشاريع الاقتصادية الكبرى، وبين حماية البيئة وحق السكان في الصحة والماء وبيئة سليمة.

فالإقليم استفاد، بشكل مباشر أو غير مباشر، من الطلب الكبير على مواد البناء المرتبط بالمشاريع الكبرى التي عرفتها المنطقة، وهو ما ساهم في تعزيز نشاط المقالع.

لكن استمرار هذا النشاط، وفق المطالب المطروحة محليا، يفترض أن يكون مقرونا بمراقبة صارمة وشفافة، واحترام دقيق لشروط الاستغلال، وإعادة تأهيل المواقع التي ينتهي استغلالها.

  • ملف ينتظر أجوبة واضحة

وبينما تستمر المقالع في توفير مواد أساسية لمختلف الأوراش، تتصاعد في المقابل أصوات تطالب بأجوبة واضحة حول تأثيراتها الفعلية على المياه والهواء والفلاحة وصحة السكان.

والحسم في هذه المسألة لا يمكن أن يتم فقط عبر تبادل الاتهامات أو الشكايات، وإنما من خلال افتحاص ميداني دقيق، وقياسات علمية، ومراقبة منتظمة، ونشر نتائج واضحة حول الوضع البيئي للمناطق المعنية.

فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم في الفحص-أنجرة ليس ما إذا كانت المقالع ضرورية للاقتصاد، وإنما كيف يمكن ضمان استمرار نشاطها دون أن تتحول كلفته البيئية والصحية إلى عبء على السكان ومصادر عيشهم؟

وبين صوت الآلات ودوي التفجيرات والغبار المتصاعد، تبقى المياه والبيئة وصحة السكان في صلب هذا الجدل، في انتظار أن تنتقل المطالب المحلية من دائرة الشكايات إلى إجراءات ميدانية قادرة على تحديد المسؤوليات وحماية المجال الطبيعي والإنسان في آن واحد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.