المرأة المغربية بين مكاسب التعليم والسياسة وانتظارات الشغل والحماية

م.ب

 

يحل اليوم الوطني للمرأة المغربية في العاشر من أكتوبر، وسط مؤشرات تعكس تقدماً في مجالات التعليم والحضور داخل المؤسسات المنتخبة، مقابل استمرار تحديات مرتبطة بالمشاركة الاقتصادية، والعنف ضد النساء، وزواج القاصرات، والتفاوتات بين الوسطين القروي والحضري.

وتعيد هذه المناسبة تسليط الضوء على واقع المرأة المغربية، الذي يجمع بين مكتسبات تحققت خلال السنوات الماضية وانتظارات ما تزال مطروحة أمام السياسات العمومية، خصوصاً في مجالات التشغيل والحماية الاجتماعية والمساواة في الفرص.

ومع الاستعداد لتشكيل حكومة جديدة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، تتجدد التساؤلات بشأن التدابير التي يمكن اعتمادها لتحسين أوضاع النساء وتعزيز مشاركتهن في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

 

  • المشاركة الاقتصادية.. فجوة مستمرة

لا تزال مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي من أبرز التحديات المطروحة، إذ بلغ معدل النشاط الاقتصادي النسائي 18,1 في المائة خلال الفصل الثاني من السنة الجارية، مقابل 66,5 في المائة لدى الرجال، وفق المعطيات الواردة عن المندوبية السامية للتخطيط.

وتبرز هذه الأرقام اتساع الفجوة بين النساء والرجال في الولوج إلى سوق الشغل، كما تعكس صعوبة تحقيق الهدف المعلن سابقاً برفع معدل النشاط النسائي إلى 30 في المائة.

ولا يقتصر التفاوت على فرص العمل، بل يمتد إلى تدبير المقاولات؛ فقد أظهرت إحصائيات المرصد المغربي للمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة برسم سنة 2024 أن النساء يدرن 15,5 في المائة من المقاولات، أي ما يقارب مقاولة واحدة من كل ست مقاولات.

ورغم تنامي عدد المشاريع التي تقودها النساء، فإن تعزيز حضورهن الاقتصادي يظل مرتبطاً بتوسيع فرص التشغيل، وتسهيل إحداث المقاولات، وتحسين شروط التمويل والمواكبة، إلى جانب معالجة العوامل التي تحد من استقرار النساء في سوق العمل.

 

  • التعليم.. تقدم يخفي تفاوتات مجالية

في المقابل، يسجل تمدرس الفتيات مؤشرات إيجابية، إذ بلغت نسبة التحاق الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 6 و16 سنة بالمؤسسات التعليمية 96,4 في المائة، وفق المعطيات المنقولة عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.

غير أن هذه النسبة العامة لا تعكس بشكل كامل الفوارق بين المناطق، حيث تصل نسبة تمدرس الفتيات في الوسط القروي إلى 93 في المائة، مقابل 98,8 في المائة في الوسط الحضري، بحسب إحصائيات سنة 2025.

وتؤكد هذه الفجوة أن توسيع الولوج إلى التعليم لا يزال يحتاج إلى إجراءات تستجيب لخصوصيات العالم القروي، وتحسن ظروف التمدرس والاستمرار في الدراسة، بما يحد من التفاوتات في فرص بناء المسار الدراسي والمهني.

 

  • زواج القاصرات.. تراجع الأرقام واستمرار الإشكال

شهدت نسبة النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 20 و24 سنة وتزوجن قبل بلوغ السن القانوني تراجعاً من 15,9 في المائة سنة 2004 إلى 8,4 في المائة سنة 2024، وفق المعطيات الواردة في المقال.

350 * 350

ويحدد قانون الأسرة سن الأهلية للزواج في 18 سنة بالنسبة إلى الفتيان والفتيات، مع إتاحة المادة 20 للقاضي إمكانية الإذن بزواج من لم يبلغ هذه السن، وفق شروط وإجراءات قانونية محددة.

كما تشير بيانات وزارة العدل إلى تراجع عدد حالات زواج القاصرين التي صودق عليها قضائياً من 26 ألفاً و298 حالة سنة 2017 إلى 8 آلاف و955 حالة سنة 2024، وتشمل هذه الأرقام الفتيان والفتيات.

ورغم هذا التراجع، يستمر الملف في إثارة النقاش، خصوصاً مع تسجيل طلبات أكثر في المناطق القروية مقارنة بالحواضر. ويطرح ذلك تحديات تتصل بالحماية الاجتماعية، وضمان استمرار الفتيات في التعليم، والتوعية بالآثار الاجتماعية والصحية والقانونية للزواج المبكر.

 

  • العنف ضد النساء.. تحدي الحماية والتبليغ

يشكل العنف ضد النساء أحد الملفات التي ما تزال تتطلب مزيداً من جهود الوقاية والحماية، بالنظر إلى تعدد أشكاله، من العنف النفسي والجسدي والجنسي إلى العنف الاقتصادي والرقمي.

وتشمل الممارسات الرقمية المؤذية التهديد والابتزاز والشتم ونشر الصور الخاصة دون موافقة أصحابها، ما يفرض تطوير آليات التبليغ والمواكبة، وتعزيز قدرة الضحايا على الوصول إلى الحماية والإنصاف.

كما تظل محدودية التبليغ عن بعض حالات العنف، خاصة داخل العلاقات الزوجية، من العقبات التي تعرقل رصد الظاهرة والتعامل معها. ويأتي ذلك في سياق تطبيق القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، الذي يواصل طرح أسئلة بشأن فعالية الحماية والتوعية وسهولة الولوج إلى آليات الدعم.

 

  • حضور سياسي متقدم.. وتمثيلية تنتظر التعزيز

على مستوى المشاركة السياسية، يشكل وصول النساء إلى مؤسسات القرار أحد أبرز مظاهر التحول في المشهد المغربي. وقد برز هذا النقاش مجدداً مع تكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، في تطور لافت لمسار حضور النساء في أعلى مستويات المسؤولية التنفيذية.

وعقب الانتخابات التشريعية الأخيرة، بلغ عدد النساء في مجلس النواب 107 نائبات من أصل 395 مقعداً، بنسبة 27,09 في المائة، وفق المعطيات الواردة في المقال. وتضم هذه الحصيلة 17 امرأة فزن عبر الدوائر المحلية، إلى جانب 90 مقعداً خُصصت للنساء ضمن نظام التمثيلية المعتمد.

لكن ارتفاع عدد النائبات لا ينهي النقاش حول تكافؤ الفرص داخل الأحزاب، إذ تظل شروط منح التزكيات وترتيب المرشحين في الدوائر المحلية من العوامل المؤثرة في قدرة النساء على المنافسة والفوز خارج الآليات المخصصة لتعزيز تمثيليتهن.

 

  • انتظارات المرحلة المقبلة

تكشف المؤشرات المرتبطة بأوضاع المرأة المغربية عن مسار يجمع بين التقدم في بعض المجالات واستمرار اختلالات في مجالات أخرى. فبين ارتفاع نسب تمدرس الفتيات واتساع الحضور السياسي، تظل المشاركة الاقتصادية والعنف وزواج القاصرات والفوارق المجالية ملفات تحتاج إلى تدخلات مستمرة ونتائج قابلة للقياس.

وتضع هذه التحديات الحكومة المقبلة أمام مسؤولية مواصلة الإصلاحات، وتطوير سياسات تساعد النساء على الاندماج في سوق العمل، وتحسين فرص التعليم في المناطق القروية، وتعزيز الحماية من العنف، وتوسيع المشاركة في تدبير الشأن العام.

وبذلك، لا تقتصر دلالة اليوم الوطني للمرأة على الاحتفاء بالمكتسبات، بل تمتد إلى تقييم ما تحقق وتحديد ما لا يزال مطلوباً، حتى تتحول مبادئ المساواة وتكافؤ الفرص إلى واقع ملموس في الحياة اليومية للمغربيات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.