المائة يوم الأولى تضع المنصوري أمام اختبار صعب.. هل تتحول الوعود الانتخابية إلى قرارات ملموسة؟

م.ب

 

تتجه الأنظار إلى المائة يوم الأولى من عمر الحكومة المرتقبة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري، باعتبارها مرحلة أولية ستكشف ملامح توجهاتها ومدى قدرتها على الانتقال من الالتزامات الانتخابية إلى قرارات وإجراءات ملموسة، في ظل تصاعد انتظارات المواطنين بشأن القدرة الشرائية والتشغيل والخدمات الاجتماعية.

 

ورغم أن الدستور المغربي لا يحدد المائة يوم باعتبارها أجلاً إلزامياً لتقييم أداء الحكومة، فإن هذه الفترة تحولت، بفعل الممارسة السياسية والإعلامية، إلى محطة مبكرة لقياس وضوح الأولويات، وانسجام مكونات الأغلبية، وسرعة إطلاق الأوراش التي تعهدت بها خلال الانتخابات.

 

ويأتي هذا الاختبار في سياق مرحلة سياسية جديدة أعقبت الانتخابات التشريعية، حيث ستكون الحكومة المقبلة مطالبة بصياغة برنامج حكومي يحدد توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، ويقدم أجوبة عملية عن القضايا التي تشغل الرأي العام.

 

  • التنصيب الدستوري يسبق احتساب المائة يوم

ينص الفصل 88 من الدستور المغربي على عرض رئيس الحكومة البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان، ومناقشته قبل التصويت عليه من طرف مجلس النواب. وتُعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس.

 

وبذلك، فإن احتساب المائة يوم الأولى يرتبط عملياً ببداية الاشتغال الحكومي بعد استكمال إجراءات التنصيب وتسليم السلط، وليس بمجرد الإعلان عن تكليف رئيس الحكومة أو انطلاق مشاورات تشكيل الأغلبية.

وتكتسب هذه المرحلة أهمية خاصة، لأنها ستتيح للمتابعين رصد القرارات الأولى للحكومة، والقطاعات التي ستمنحها الأولوية، فضلاً عن مدى قدرتها على تحويل برنامجها إلى إجراءات قابلة للتنفيذ.

 

  • تجربة أخنوش.. إجراءات أولى وانتقادات اجتماعية

تقدم تجربة الحكومة السابقة بقيادة عزيز أخنوش نموذجاً لكيفية تحول المائة يوم الأولى إلى موضوع للتقييم السياسي والإعلامي. ففي يناير 2022، أصدر مركز الحياة لتنمية المجتمع المدني ومرصد العمل الحكومي تقريراً تناول أبرز الإجراءات التي اتخذتها الحكومة خلال بدايات ولايتها، مسجلاً جوانب اعتبرها إيجابية، إلى جانب اختلالات مرتبطة بالتواصل وتدبير عدد من الملفات.

 

ومن بين الإجراءات التي توقف عندها التقرير تسريع إعداد المراسيم التطبيقية المرتبطة بتعميم التغطية الصحية والمعاشات، وعقد لجنة الاستثمار والمصادقة على مشاريع استثمارية، فضلاً عن البحث عن بدائل لتأمين تزويد السوق الوطنية بالغاز عقب توقف تدفق الغاز الجزائري عبر أنبوب المغرب العربي–أوروبا.

 

كما أشار إلى أداء مستحقات الضريبة على القيمة المضافة لفائدة الشركات والمقاولات، بما يساعد على تحسين السيولة المالية، وإلى توقيع ميثاق الأغلبية بهدف تعزيز التنسيق بين مكونات الائتلاف الحكومي.

 

في المقابل، سجل التقرير ملاحظات بشأن ضعف التواصل المباشر لرئيس الحكومة حول القرارات المتخذة، والارتباك الذي رافق تدبير قطاع الصحة في الأيام الأولى، والتأخر في تعيين كتاب الدولة، فضلاً عن محدودية التدابير المتخذة لمواجهة ارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية.

 

وامتدت الانتقادات إلى غياب مبادرات واضحة للحوار الاجتماعي، وتدبير ملف أطر الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، وعدم تقديم تصورات كافية بشأن إصلاح صناديق التقاعد وصندوق المقاصة ومحاربة الفساد.

أما أخنوش، فقد دافع عن أداء حكومته في تلك المرحلة، مشيراً إلى عقد 14 مجلساً حكومياً والمشاركة في نحو 22 جلسة للأسئلة الشفهية بالبرلمان، معتبراً أن الأولوية ينبغي أن تكون للنتائج العملية التي ينتظرها المواطنون.

 

وتبرز هذه التجربة أن تقييم البدايات الحكومية لا يقتصر على عدد الاجتماعات أو القرارات المعلنة، بل يشمل أيضاً أثر التدابير المتخذة في الحياة اليومية، وقدرة الحكومة على شرح اختياراتها والتفاعل مع الانتظارات الاجتماعية.

 

350 * 350
  • العثماني.. حصيلة بعد 120 يوماً

وخلال سنة 2017، اختار سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة الأسبق، تقديم حصيلة مرحلية بعد مرور 120 يوماً على تعيين حكومته في 5 أبريل، وحصولها على ثقة مجلس النواب في 26 أبريل من السنة نفسها.

وعرض العثماني آنذاك 120 إجراء قالت الحكومة إنها تعكس تقدم تنفيذ برنامجها، وشملت مجالات التشغيل والاستثمار والحماية الاجتماعية والإصلاح الإداري، إلى جانب مشاريع واتفاقيات تنموية بعدد من جهات المملكة.

 

وفي قطاع التشغيل، تحدثت الحصيلة عن إطلاق برامج جهوية، والتدرج في فتح مباريات توظيف نحو 23 ألف منصب برسم قانون المالية لسنة 2017، فضلاً عن تشغيل نحو 24 ألف أستاذ عن طريق التعاقد في قطاع التربية والتكوين.

 

كما تضمنت الحصيلة معطيات بشأن النصوص القانونية التي صادق عليها البرلمان، ومشاريع القوانين والمراسيم والاتفاقيات التي جرى التداول بشأنها، إلى جانب مبادرات لتطوير منهجية العمل الحكومي وتعزيز التنسيق بين القطاعات.

 

وشدد العثماني في حينه على أهمية ضمان التقائية السياسات العمومية، حتى لا تعمل القطاعات الحكومية بشكل منفصل، بل ضمن رؤية مشتركة تسمح بتحسين الفعالية وتسريع الإنجاز.

وتكشف هذه التجربة أن الحكومات قد تختار تقديم حصيلة مبكرة لإبراز ما تحقق خلال الأشهر الأولى، غير أن الأرقام والإجراءات المعلنة تظل بحاجة إلى ربطها بالنتائج الفعلية ومدى تقدم تنفيذ الالتزامات الحكومية.

 

  • المنصوري أمام تحدي بناء برنامج واضح

بالنسبة إلى فاطمة الزهراء المنصوري، فإن تشكيل الأغلبية الحكومية وإعداد البرنامج المنتظر يضعانها أمام مهمة مزدوجة: التوفيق بين أولويات الأحزاب المشاركة في الائتلاف، وصياغة توجهات قابلة للتنفيذ تستجيب للتحديات الاقتصادية والاجتماعية.

 

ولا يرتبط نجاح هذه المهمة بمجرد توزيع الحقائب الوزارية أو التوصل إلى توافقات سياسية، بل يتطلب تحديد أهداف واضحة، وترتيب الأولويات، وربط الالتزامات بآجال التنفيذ والموارد اللازمة، حتى يتمكن المواطنون من تقييم مدى التقدم المحقق.

 

ومن المنتظر أن تشكل الملفات المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة والاستثمار محاور أساسية في متابعة أداء الحكومة، بالنظر إلى تأثيرها المباشر في الأوضاع اليومية للمواطنين. كما ستظل طريقة تدبير الإصلاحات المؤسساتية والإدارية مؤشراً على قدرة الائتلاف الجديد على الانتقال من التوافق السياسي إلى العمل التنفيذي.

 

ويكتسي البرنامج الحكومي أهمية خاصة في هذا السياق، لأنه سيحدد الإطار الذي ستتحرك داخله القطاعات الوزارية، ويوضح الالتزامات التي يمكن مساءلة الحكومة بشأنها داخل البرلمان وخارجه.

 

  • أول القرارات ستحدد ملامح المرحلة

تتحول المائة يوم الأولى، في نهاية المطاف، إلى فرصة لمراقبة مدى الانسجام بين مكونات الحكومة، وسرعة اتخاذ القرارات، وطبيعة الملفات التي ستوضع في مقدمة الأولويات. كما ستكشف قدرة رئيسة الحكومة المكلفة على التنسيق بين القطاعات، وتوضيح الاختيارات الحكومية، والتفاعل مع مطالب المواطنين.

 

وفي تصريح نقلته صحيفة هسبريس، اعتبر القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة هشام المهاجري أن هذه المرحلة ستكون بمثابة مرآة أولى تعكس ملامح الحكومة الجديدة، وتوضح ما إذا كانت ستنجح في تحويل الزخم الانتخابي إلى انطلاقة حكومية واضحة وتقديم البدائل المنتظرة.

 

وبين دروس التجارب السابقة وتزايد الانتظارات الاجتماعية، لن يكون التحدي أمام المنصوري مقتصراً على تقديم وعود جديدة، بل على تحديد أولويات قابلة للقياس وإطلاق إجراءات تظهر نتائجها تدريجياً. فالمعيار الأساسي لتقييم البدايات الحكومية سيظل مرتبطاً بمدى الانتقال من التصريحات والبرامج إلى التنفيذ، وبقدرة القرارات الأولى على إعطاء المواطنين مؤشرات ملموسة بشأن اتجاه المرحلة المقبلة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.