شدد الملك محمد السادس، في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية، على ضرورة تسريع تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتحسين جودة الخدمات العمومية، مؤكداً أن استمرار التأخير والاختلالات في تنزيل هذين الورشين ينعكس سلباً على البرامج التنموية ويحد من قدرة المؤسسات على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
وفي هذا السياق، يرى الباحث في القانون العام والعلوم السياسية أيمن الحداد أن التوجيهات الملكية تبرز الحاجة إلى تقوية دور الجهات ومنحها الإمكانات اللازمة لتحديد الأولويات واتخاذ القرارات وتنفيذ المشاريع، بما يجعل المؤسسات الترابية أكثر ارتباطاً بالاحتياجات الفعلية للسكان، ويعزز مسؤوليتها عن النتائج المحققة.
وأوضح الحداد أن تمكين المجالس الجهوية من ممارسة اختصاصاتها بشكل فعلي من شأنه إعطاء مضمون عملي للتمثيل الانتخابي، وربط التنافس السياسي بالقدرة على إنجاز البرامج. لكنه نبه إلى أن نقل اختصاصات إضافية إلى الجهات، من دون توفير التمويل الكافي والموارد البشرية المؤهلة، قد يوسع الهوة بين تطلعات المواطنين والإمكانات المتاحة لتنفيذ المشاريع.
كما أكد أن تسريع اللاتمركز الإداري يشكل شرطاً أساسياً لتجاوز التعقيدات المرتبطة بالمركزية، من خلال تمكين المصالح الترابية للدولة من صلاحيات فعلية تسمح لها باتخاذ القرارات والتنسيق مع المجالس الجهوية، بدل استمرار إحالة مختلف الملفات على الإدارات المركزية.

واعتبر الباحث أن المرحلة المقبلة تتطلب وضع آليات واضحة للتعاقد بين الدولة والجهات، تحدد مسؤوليات كل طرف ومصادر التمويل وآجال الإنجاز، بما يتيح معالجة التعثرات في الوقت المناسب ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات من خلال تحسين الخدمات والاستجابة للحاجيات المحلية.
من جانبه، أكد عبد الرحيم أضاوي، الأستاذ بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالجديدة، أن تحقيق التنمية المندمجة يستدعي تجاوز التدبير الذي يجعل الإدارة المركزية الفاعل الأساسي في مختلف مراحل اتخاذ القرار، بالنظر إلى صعوبة استجابتها بمفردها لتزايد حاجيات المواطنين وتنوعها بين الجهات والأقاليم.
وأوضح أضاوي أن اللامركزية الترابية واللاتمركز الإداري آليتان متكاملتان لتقريب القرار من المواطنين وتحسين فعالية التدخل العمومي، مشيراً إلى أهمية تسريع إخراج النصوص القانونية والتنظيمية اللازمة لتفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، وضمان النقل الفعلي للاختصاصات من الإدارات المركزية إلى المصالح الترابية.
وأضاف أن إنجاح هذا المسار يقتضي مراجعة الهياكل التنظيمية للإدارات، إلى جانب إحداث تحول في ثقافة التدبير لدى المسؤولين المركزيين، بما يرسخ نقل الصلاحيات إلى المستوى الترابي ويمنح المؤسسات المحلية قدرة أكبر على اتخاذ القرار والتنفيذ.
وفي ما يتعلق بالجماعات الترابية، شدد أضاوي على أن الاستقلال القانوني للجهات والجماعات لا يكفي وحده لضمان نجاعة تدخلها، ما لم يواكبه استقلال مالي فعلي وموارد بشرية مؤهلة قادرة على تدبير المشاريع ومتابعة تنفيذها.
وكان الملك محمد السادس قد أكد في خطابه أن النهوض بالتنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج يرتبط ارتباطاً وثيقاً بتقدم ورش الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري، مشدداً على ضرورة وضع حد للتأخير في تنفيذ الميثاق، بما يضمن نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات.