قانون مالية 2027.. أول اختبار دستوري أمام الحكومة الجديدة

م.ب

 

تجد الحكومة المغربية المرتقب تشكيلها برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري نفسها أمام أول اختبار دستوري ومالي، مع اقتراب الموعد القانوني لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027 بمجلس النواب، في وقت لا تزال فيه مشاورات تشكيل الأغلبية الحكومية مستمرة، ما يطرح تحدياً يتعلق بالتوفيق بين احترام الآجال القانونية وإمكانية إدخال تعديلات تعكس أولويات التحالف الجديد.

 

ويأتي هذا الاستحقاق في ظل إعلان تحالف رباعي يضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، وسط تأكيدات بشأن السعي إلى تشكيل حكومة منسجمة وقادرة على إعداد برنامج حكومي في أقرب الآجال. غير أن ضيق الوقت يفرض على مكونات الأغلبية التعامل بسرعة مع مشروع مالي أُعدت توجهاته العامة في عهد الحكومة المنتهية ولايتها.

 

  • 20 أكتوبر.. موعد دستوري لا ينتظر اكتمال تشكيل الحكومة

يحدد القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية يوم 20 أكتوبر من كل سنة، كأقصى أجل لإيداع مشروع قانون المالية للسنة الموالية بمكتب مجلس النواب، وفق المادة 48 من هذا القانون. ويتعين إرفاق المشروع بمجموعة من الوثائق، تشمل مذكرة التقديم والتقرير الاقتصادي والمالي، إلى جانب تقارير أخرى تتيح للبرلمان الاطلاع على الفرضيات والاختيارات التي بُنيت عليها التقديرات المالية.

 

وتنص المادة 46 على أن إعداد المشروع يتم من طرف الوزير المكلف بالمالية، تحت سلطة رئيس الحكومة، ووفق التوجهات العامة التي يتداول بشأنها المجلس الوزاري، طبقاً للفصل 49 من الدستور.

 

ولا يتوقف المسار التشريعي عند إيداع المشروع، إذ يمنح القانون التنظيمي مجلس النواب 30 يوماً للبت فيه، يليها أجل 22 يوماً لمجلس المستشارين، قبل عودة النص إلى الغرفة الأولى لاستكمال القراءة الثانية والنهائية في غضون ستة أيام.

وفي حال تعذر المصادقة على قانون المالية قبل نهاية السنة، تتيح المادة 50 للحكومة فتح الاعتمادات الضرورية لتسيير المرافق العمومية بموجب مرسوم، مع مواصلة استخلاص المداخيل وفق الأحكام الجاري بها العمل.

ويعيد هذا الوضع إلى الواجهة تجربة حكومة عزيز أخنوش، التي أودعت مشروع قانون مالية 2022 يوم 18 أكتوبر 2021، بعد أسابيع من الانتخابات التشريعية، مع تضمينه مقتضيات مرتبطة بالتزاماتها الانتخابية.

 

  • فرضيات اقتصادية تواجه تقلبات الأسواق الدولية

تستند التوقعات المرتبطة بمالية 2027 إلى فرضيات اقتصادية تشمل تحقيق نمو في حدود 4,1 في المائة، وتضخم يقارب 2 في المائة، ومحصولاً من الحبوب يناهز 70 مليون قنطار، إلى جانب اعتماد سعر للنفط في حدود 70 دولاراً للبرميل، و500 دولار للطن بالنسبة إلى غاز البوتان.

 

وتراهن هذه التقديرات، بحسب المعطيات الواردة في الوثائق التوجيهية، على استمرار دينامية الأنشطة غير الفلاحية لدعم النمو، دون الاعتماد على مداخيل استثنائية. غير أن استمرار تقلبات الأسواق الدولية، ولا سيما ارتفاع العقود الآجلة لخام برنت فوق مستوى 100 دولار للبرميل مع بداية أكتوبر 2026، يضع هذه الفرضيات أمام تحديات مرتبطة بكلفة الطاقة وتداعياتها المحتملة على التوازنات المالية.

 

وكانت وزيرة الاقتصاد والمالية قد ربطت حالة عدم اليقين بالتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وانعكاساتها على أسعار الطاقة وسلاسل التوريد، وهي عوامل قد تؤثر في تقدير النفقات والمداخيل وفي هامش المناورة المتاح أمام الحكومة المقبلة.

 

350 * 350

وفي هذا السياق، تفرض المادة العاشرة من القانون التنظيمي لقانون المالية تقديم الموارد والتكاليف بصورة صادقة، على أساس المعطيات المتاحة خلال مرحلة الإعداد، فيما تحدد المادة التاسعة رصيد الميزانية المتوقع بالاستناد إلى الفرضيات الاقتصادية المعتمدة.

 

  • تعديلات ممكنة دون تجاوز الإطار الدستوري

يرى جواد لعسري، أستاذ التعليم العالي المتخصص في التشريع المالي والمالية العمومية، أن القانون التنظيمي لقانون المالية يحتل مكانة خاصة ضمن المنظومة الدستورية، باعتباره نصاً لا يدخل حيز التنفيذ إلا بعد مراقبة المحكمة الدستورية مدى مطابقته للدستور. وبناءً على ذلك، فإن مخالفة مقتضياته تطرح إشكالاً دستورياً، لا مجرد مخالفة إجرائية عادية.

 

وفي المقابل، يؤكد لعسري أن الحكومة المقبلة لا تواجه مانعاً قانونياً يحول دون تعديل مشروع قانون المالية، سواء قبل إيداعه الرسمي أو خلال مناقشته داخل البرلمان، شريطة احترام المساطر المعمول بها. ويمكن أن تتم التعديلات عبر مبادرة حكومية، أو من خلال مقترحات تقدمها أحزاب الأغلبية أثناء المناقشة التشريعية وتقبلها الحكومة.

 

وأضاف أن إمكانية تعديل الاختيارات المالية لا تنتهي بمجرد صدور القانون، إذ يظل اللجوء إلى قوانين مالية تعديلية متاحاً لتغيير بعض المقتضيات وفقاً للحاجيات والظروف المستجدة.

 

ويعني ذلك أن احترام أجل 20 أكتوبر لا يحول بالضرورة دون إدخال تعديلات لاحقة، لكنه يجعل من الضروري التمييز بين الالتزام بالإجراءات الدستورية من جهة، والاختيارات السياسية والاقتصادية التي تستطيع الحكومة مراجعتها من جهة أخرى.

 

  • الوعود الانتخابية تضغط باتجاه مراجعة الأولويات

تكتسي هذه المرحلة أهمية إضافية بالنظر إلى الوعود التي قدمتها الأحزاب المشاركة في الأغلبية خلال الانتخابات التشريعية. فقد أعلن حزب الأصالة والمعاصرة، الذي حصل على 97 مقعداً من أصل 395 بمجلس النواب، عن برنامج يتضمن كلفة إضافية معلنة تصل إلى 350 مليار درهم خلال الفترة الممتدة بين 2027 و2031.

 

وتطرح هذه الالتزامات سؤالاً بشأن مدى قدرة المشروع المالي الحالي على استيعاب الأولويات الجديدة، في ظل ضرورة الحفاظ على التوازنات المالية ومواجهة الضغوط المحتملة على النفقات العمومية. وتشير تقديرات متداولة إلى إمكانية اللجوء إلى تعديلات جزئية على المشروع، بدل إعادة صياغته بالكامل، غير أن تحديد طبيعة التغييرات وحجمها يظل مرتبطاً بالقرارات التي ستتخذها الحكومة بعد تشكيلها.

 

وكانت المذكرة التوجيهية لمشروع مالية 2027 قد صدرت في 5 غشت 2026 عن رئيس الحكومة المنتهية ولايته، عزيز أخنوش، ودعت القطاعات الوزارية إلى ترشيد النفقات وحصر إحداث المناصب المالية الجديدة في الحاجيات الضرورية.

 

كما حددت الوثيقة أربع أولويات رئيسية، تتمثل في توطيد المكتسبات الاقتصادية، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، ومواصلة ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية، والحفاظ على توازنات المالية العمومية.

وفي تقييمه لطبيعة هذه المذكرة، يعتبر عبد الرزاق الهيري، أستاذ المالية والاقتصاد بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، أن توجيهاتها ملزمة إدارياً خلال مرحلة إعداد المشروع، لكنها لا تقيد الحكومة المقبلة سياسياً بصورة مطلقة.

 

وبين ضغط الآجال القانونية وتحديات الأسواق الدولية والالتزامات الانتخابية، ستواجه الحكومة الجديدة ضرورة تحديد أولوياتها المالية في وقت وجيز، مع ضمان استمرارية المسار التشريعي واحترام القواعد الدستورية. وسيظل هامش التعديل قائماً، لكن تحويل الوعود الانتخابية إلى تدابير مالية ملموسة سيحتاج إلى اختيارات واضحة تراعي الموارد المتاحة وكلفة البرامج والتوازنات العامة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.