207 مقاعد للأغلبية الجديدة.. هل تنجح المعارضة في فرض توازن رقابي داخل البرلمان؟

م.ب

أعاد انتقال التجمع الوطني للأحرار إلى صفوف المعارضة تشكيل موازين القوى داخل مجلس النواب المغربي، عقب التوصل إلى أغلبية حكومية رباعية تضم أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، في تركيبة تمنح الحكومة المرتقبة قاعدة برلمانية تتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة، مقابل معارضة متعددة المكونات تواجه تحدي توحيد مواقفها.

 

وتستند الأغلبية الجديدة، وفق نتائج الانتخابات التشريعية المعلنة في 23 شتنبر 2026، إلى 207 مقاعد من أصل 395، موزعة بين الأصالة والمعاصرة بـ97 مقعداً، والاستقلال بـ65 مقعداً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بـ26 مقعداً، والتقدم والاشتراكية بـ19 مقعداً. وبذلك تتجاوز الأغلبية العتبة المطلوبة، المحددة في 198 مقعداً، بتسعة مقاعد، وهو ما يوفر لها أساساً عددياً لتشكيل الحكومة والحصول على ثقة مجلس النواب، مع بقاء قدرتها على تدبير الملفات التشريعية رهينة بمدى التزام مكوناتها بالتنسيق والتوافق.

 

ويأتي هذا التحول بعدما قرر التجمع الوطني للأحرار، الذي حصل على 66 مقعداً في الانتخابات الأخيرة، الانتقال إلى المعارضة، عقب مشاركته في قيادة الحكومة السابقة. ويضع هذا القرار الحزب أمام مرحلة جديدة تتطلب إعادة تحديد موقعه داخل المؤسسة التشريعية، من خلال ممارسة الرقابة على العمل الحكومي ومناقشة السياسات العمومية، بعيداً عن مسؤولية التدبير التنفيذي.

 

  • أغلبية عددية وتحدي الانسجام السياسي

رغم امتلاك التحالف الرباعي أغلبية برلمانية، فإن تعدد مكوناته واختلاف مرجعياتها وبرامجها يفرضان عليها بناء أرضية مشتركة لتدبير المرحلة المقبلة. ولن يقتصر التحدي على استكمال تشكيل الحكومة، بل سيمتد إلى ضمان الانسجام في القرارات الاقتصادية والاجتماعية، وتأمين الدعم البرلماني للنصوص التشريعية والاختيارات الحكومية.

 

وتبرز أهمية هذا الانسجام بشكل خاص عند مناقشة القضايا المرتبطة بالتشغيل والقدرة الشرائية والتعليم والصحة، وهي ملفات تفرض على الأغلبية التوفيق بين التزامات مكوناتها الحزبية وأولويات المرحلة. كما أن هامشها العددي، الذي لا يتجاوز تسعة مقاعد فوق عتبة الأغلبية المطلقة، يجعل انتظام الحضور والتصويت عاملاً مؤثراً في تدبير الاستحقاقات البرلمانية.

 

وفي المقابل، تتيح التركيبة الجديدة للأغلبية فرصة لتحديد المسؤوليات السياسية بوضوح، سواء داخل الحكومة أو في علاقتها بالبرلمان، بما يجعل نتائج أدائها قابلة للمساءلة والتقييم خلال الولاية التشريعية المقبلة.

 

  • معارضة متعددة الأطراف وصعوبة بناء جبهة موحدة

تضم القوى الموجودة خارج الأغلبية أحزاباً تختلف في مرجعياتها السياسية وتوجهاتها، من بينها التجمع الوطني للأحرار، والعدالة والتنمية، والحركة الشعبية، إلى جانب مكونات أخرى من اليسار وأحزاب صغيرة. ويمنح هذا التنوع المعارضة تعددية في المواقف والخطابات، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤال قدرتها على تنسيق المبادرات الرقابية وصياغة مواقف مشتركة بشأن القضايا الكبرى.

 

ويشكل حزب العدالة والتنمية، الذي حصل على 54 مقعداً، أحد أبرز مكونات المعارضة، بعدما سجل ارتفاعاً مقارنة بنتيجته في انتخابات 2021، حين فاز بـ13 مقعداً. كما يمثل التجمع الوطني للأحرار، بـ66 مقعداً، أكبر حزب منفرد خارج التحالف الحكومي، ما يضعه أمام اختبار الانتقال من قيادة الحكومة إلى ممارسة المعارضة البرلمانية.

 

غير أن تقارب بعض الأحزاب في انتقاد قرارات حكومية معينة لا يعني بالضرورة تطابق مواقفها في جميع الملفات. ففاعلية المعارضة ستتوقف على قدرتها على تحويل نقاط الالتقاء إلى مبادرات عملية، مع الحفاظ على استقلالية كل مكون واختياراته السياسية.

 

350 * 350
  • ملتمس الرقابة.. آلية دستورية بشروط عددية واضحة

يبرز ملتمس الرقابة، المنصوص عليه في الفصل 105 من الدستور، باعتباره إحدى الآليات الدستورية التي يمكن لمجلس النواب من خلالها مساءلة الحكومة سياسياً. ويشترط الدستور لقبول الملتمس توقيع خُمس أعضاء المجلس على الأقل، أي 79 نائباً من أصل 395، فيما تتطلب المصادقة عليه الأغلبية المطلقة لأعضاء المجلس، أي 198 صوتاً.

 

وباحتساب مجموع المقاعد خارج الأغلبية الحكومية، والبالغ 188 مقعداً وفق التوزيع الانتخابي المعلن، فإن المعارضة تتجاوز العدد المطلوب لتقديم ملتمس الرقابة، لكنها لا تستطيع المصادقة عليه بأصواتها وحدها، إذ تحتاج إلى عشرة أصوات إضافية على الأقل لبلوغ عتبة 198 صوتاً.

 

ويعني ذلك أن تحويل هذه الآلية إلى وسيلة لإسقاط الحكومة يظل مرتبطاً بقدرة المعارضة على استقطاب أصوات من خارج صفوفها، فضلاً عن التوافق بشأن مضمون الملتمس وتوقيته وأهدافه السياسية. كما أن مجرد تقديمه لا يؤدي إلى إسقاط الحكومة، ما لم يحظ بالمصادقة وفق الشروط الدستورية.

 

  • لجان تقصي الحقائق.. مجال أوسع للمساءلة

تتيح لجان تقصي الحقائق بدورها مجالاً مهماً للرقابة البرلمانية، إذ ينص الفصل 67 من الدستور على إمكانية إحداثها بمبادرة من الملك أو بطلب من ثلث أعضاء مجلس النواب أو ثلث أعضاء مجلس المستشارين، مع مراعاة القيود القانونية المرتبطة بالوقائع التي تكون موضوع متابعات قضائية جارية.

 

وفي مجلس النواب، يتطلب بلوغ ثلث الأعضاء توفر 132 نائباً على الأقل. وبناء على توزيع المقاعد خارج الأغلبية، يمكن لمكونات المعارضة، من حيث العدد، تجاوز هذا النصاب، ما يتيح لها تقديم مبادرات لتقصي الحقائق بشأن ملفات محددة تستوفي الشروط القانونية.

 

لكن نجاح هذه الآلية لا يرتبط بالنصاب العددي وحده، بل كذلك بأهمية الموضوع المطروح، ومدى توافر المعطيات، والقدرة على تنسيق الجهود بين الفرق البرلمانية، وصولاً إلى خلاصات تساعد على توضيح المسؤوليات وتعزيز المساءلة المؤسساتية.

 

  • مرحلة جديدة من التوازنات البرلمانية

تكشف الخريطة النيابية الجديدة عن انتقال من أغلبية سابقة واسعة إلى تحالف رباعي أقل اتساعاً من حيث عدد المقاعد، لكنه يتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة. وفي المقابل، أصبحت المعارضة تضم قوى سياسية متنوعة، بعضها يمتلك رصيداً انتخابياً مهماً، من دون أن يعني ذلك امتلاكها تلقائياً القدرة على التحرك ككتلة موحدة.

 

وبين تماسك الأغلبية وقدرة المعارضة على التنسيق، ستتحدد ملامح العمل البرلماني خلال المرحلة المقبلة. فالأغلبية مطالبة بإثبات قدرتها على تدبير الاختلافات الداخلية وضمان تمرير برنامجها، بينما سيكون على المعارضة تحويل موقعها العددي والسياسي إلى رقابة فعالة ومبادرات تشريعية ومساءلة منتظمة.

 

وتبقى الحصيلة العملية لهذه التوازنات مرتبطة بما ستقدمه الحكومة من قرارات وبرامج، وبمدى قدرتها على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن مستوى أداء الفرق البرلمانية في مناقشة السياسات العمومية والدفاع عن مصالح المواطنين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.