من تطوان إلى بروكسل.. “تسونامي سبتة” يربك أوروبا ويشعل حربا كلامية بين مدريد وروما

م.المغربي

بعد أسبوع على “التدفق الكبير” نحو مدينة سبتة المحتلة، اتسعت دائرة تداعيات الحدث لتتجاوز المغرب وإسبانيا، وتتحول إلى أزمة أوروبية بامتياز، استدعت اجتماعات طارئة لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي، وفجرت سجالا سياسيا علنيا بين مدريد وروما، وامتدت أصداؤها إلى واشنطن.

على الجبهة المغربية: 11 وفاة وتوقيف محرضين

كشفت السلطات المغربية ملابسات ما جرى خلال محاولات العبور الجماعي، معلنة في بلاغ لوزارة الداخلية، مدعوم بتصريح لمصدر حكومي، عن وفاة 11 مهاجرا على الجانب المغربي.

وأكدت المصادر ذاتها أن التحقيقات القضائية تشمل كافة الأفعال المرتبطة بالأحداث، وأن حوالي 40 ألف مهاجر تمكنوا من العبور إلى الثغر الخاضع للسيطرة الإسبانية، مشيرة إلى توقيف عدد من المشتبه في تورطهم في التحريض على الهجرة غير النظامية والارتباط بشبكات الاتجار بالبشر.

وشددت الداخلية على أن الأجهزة الأمنية عززت انتشارها في المناطق الحدودية، وتواصل جهودها لتفكيك شبكات التهريب والتصدي للمحتوى المضلل الذي اجتاح منصات التواصل الاجتماعي وكان وراء استقطاب آلاف الشباب والقاصرين نحو سبتة.

مدريد تدافع: تعاملنا بسرعة وفعالية وشنغن لم يتأثر

في المقابل، دافعت الحكومة الإسبانية عن تدبيرها للأزمة.

وقال وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا، عقب الاجتماع الاستثنائي لوزراء داخلية الاتحاد الأوروبي المنعقد أمس الثلاثاء 4 غشت، إن الدول الأعضاء أقرت بأن إسبانيا تعاملت مع الأزمة “بشكل سريع وفعال”.

وأوضح مارلاسكا أن نحو 70 ألفا من أصل 72 ألف شخص غادروا سبتة بعد الأحداث، مؤكدا أن فضاء شنغن “لم يتأثر” لأن سبتة لا تعتبر جزءا منه قانونيا.

من جهته، واصل رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الدفاع عن سياسة حكومته، رافضا تحميل مدريد مسؤولية ما حدث، فيما اعتبر وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس أن الانتقادات الإيطالية “غير مبررة”، منتقدا قرار روما فرض قيود على التنقل مع إسبانيا.

350 * 350

انقسام أوروبي.. إيطاليا تتهم ومدريد ترد

ورغم انتمائهما لنفس الفضاء الأوروبي، تبنت روما موقفا مناقضا تماما لمدريد.

وقال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني إن “ما حدث في سبتة ليس أمرا هامشيا”، مضيفا “من واجبنا حماية الحدود الإيطالية، التي هي أيضا حدود الاتحاد الأوروبي”، محملا الحكومة الإسبانية مسؤولية فشل سياساتها في مجال الهجرة، ومعتبرا أن الأزمة تمثل تهديدا لجميع الدول الأوروبية.

ولم تقف إيطاليا وحدها في هذا الموقف، حيث أعلنت الدنمارك دعمها لمخاوف روما، فيما دعت عدة دول أعضاء إلى تشديد مكافحة شبكات تهريب المهاجرين، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة المنصات الرقمية التي استُعملت لنشر معلومات مضللة شجعت آلاف الأشخاص على محاولة العبور.

من جانبها، دعت المفوضية الأوروبية إلى تعزيز حماية الحدود الخارجية للاتحاد، مع التركيز على مكافحة شبكات التهريب وتحسين أنظمة الإنذار المبكر والتعاون مع دول الجوار، في وقت أثار مشروع الحكومة الإسبانية لتسوية أوضاع مئات آلاف المهاجرين غير النظاميين جدلا واسعا داخل الاتحاد، بعدما اعتبر مفوض الهجرة الأوروبي ماغنوس برونر أن هذه الخطوة “لا تبعث برسالة جيدة” في الظرفية الحالية.

في الداخل الإسباني.. المعارضة تهاجم سانشيز

داخليا، استغلت أحزاب المعارضة الإسبانية الأزمة لتصويب سهامها نحو حكومة سانشيز.

واعتبر الحزب الشعبي أن سياسات الحكومة في مجال الهجرة تستوجب مراجعة شاملة، فيما اتهم حزب “فوكس” اليميني المتطرف السلطة التنفيذية بـ”تشجيع عامل الجذب” للمهاجرين، معتبرا أن تراخي الحكومة في حماية الحدود ساهم في تفاقم الضغوط على سبتة.

ترامب يدخل على الخط

وامتدت تداعيات الأزمة إلى الولايات المتحدة، بعدما تناول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحداث سبتة في منشور على منصة “تروث سوشال”.

واستغل ترامب الأزمة للدفاع عن مواقفه الداعية إلى تشديد الرقابة على الحدود، معتبرا أن ما وقع في سبتة يبرز المخاطر التي قد تترتب عن الهجرة غير النظامية إذا لم تعتمد الدول سياسات أكثر صرامة في حماية حدودها، وهو موقف تناقلته وسائل إعلام أمريكية ودولية باعتباره جزءا من خطابه المتكرر بشأن أمن الحدود.

وبينما تتواصل التحقيقات لكشف كامل ملابسات ما جرى، تؤكد ردود الفعل الدولية أن أحداث سبتة لم تعد مجرد محاولة عبور جماعي، بل تحولت إلى ملف سياسي وأمني أعاد إلى الواجهة الانقسامات العميقة داخل الاتحاد الأوروبي حول سياسات الهجرة ومستقبل فضاء شنغن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.