لم تعد الدبلوماسية المغربية تقتصر على احتواء الخلافات مع الشركاء الدوليين أو الحفاظ على استمرارية العلاقات التقليدية، بل باتت تقوم، وفق قراءة لمسار السياسة الخارجية للمملكة خلال عهد الملك محمد السادس، على توسيع هامش استقلال القرار الوطني، وتنويع الشراكات، وإعادة التفاوض بشأن الأسس السياسية التي تحكم العلاقات الثنائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا تعتبرها المملكة مرتبطة بمصالحها السيادية.
ويبرز هذا التوجه في عدد من المحطات الدبلوماسية التي جمعت المغرب بقوى دولية كبرى، من الولايات المتحدة وفرنسا إلى إسبانيا وألمانيا والسويد، حيث اختلفت أسباب الأزمات ونتائجها، لكنها أظهرت أهمية التوفيق بين الدفاع عن المصالح الوطنية والمحافظة على قنوات التعاون، في سياق دولي تتداخل فيه الاعتبارات السياسية والاقتصادية والأمنية.
- استقلال القرار.. قاعدة ثابتة في السياسة الخارجية
شكّل الخطاب الملكي أمام القمة المغربية الخليجية بالرياض، في 20 أبريل 2016، إحدى المحطات التي جرى فيها التأكيد بوضوح على استقلال القرار المغربي، حين شدد الملك محمد السادس على أن المغرب «حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد»، مع التأكيد في الوقت نفسه على وفاء المملكة بالتزاماتها تجاه شركائها.
ويعكس هذا الموقف تصوراً للعلاقات الدولية يقوم على التمييز بين الشراكة والتبعية؛ فالحفاظ على التحالفات لا يعني التخلي عن حرية الاختيار، كما أن الدفاع عن المصالح السيادية لا يقتضي بالضرورة الدخول في مواجهة مفتوحة مع الأطراف الأخرى.
وفي السياق ذاته، أكد الخطاب الملكي بمناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب، في 20 غشت 2022، مركزية قضية الصحراء المغربية في تقييم العلاقات الخارجية، باعتبارها معياراً أساسياً لقياس مصداقية الشراكات ووضوح مواقف الدول تجاه المصالح الوطنية للمملكة.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم تطور الدبلوماسية المغربية باعتباره سعياً إلى الجمع بين ثبات الأهداف الاستراتيجية ومرونة الوسائل، مع إبقاء التفاوض والتعاون ضمن الأدوات الأساسية لتدبير الاختلافات.
- الولايات المتحدة.. احتواء الخلاف دون التفريط في الشراكة
مثّلت الأزمة التي اندلعت سنة 2013 بشأن مقترح توسيع ولاية بعثة الأمم المتحدة في الصحراء المغربية لتشمل مراقبة حقوق الإنسان اختباراً مهماً للعلاقات المغربية الأمريكية. فقد عارض المغرب هذا التوجه، بالنظر إلى تداعياته المحتملة على طبيعة مهمة البعثة وعلى المسار السياسي المرتبط بالنزاع.
وانتهت المداولات الأممية آنذاك إلى اعتماد مجلس الأمن القرار رقم 2099، في أبريل 2013، من دون إقرار التوسيع المقترح لولاية البعثة. وفي نونبر من السنة نفسها، شكلت زيارة الملك محمد السادس إلى واشنطن محطة لتأكيد استمرار التعاون الاستراتيجي بين البلدين.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها من كونها أظهرت إمكانية إدارة خلاف بشأن ملف حساس، مع الحفاظ على المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية المشتركة. غير أن هذا المسار لم يفضِ خلال تلك المرحلة إلى اعتراف أمريكي بالسيادة المغربية على الصحراء.
وجاء التحول الأبرز في دجنبر 2020، عندما أعلنت الولايات المتحدة اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، مؤكدة دعمها لمقترح الحكم الذاتي المغربي. وشكّل القرار تطوراً نوعياً في الموقف الأمريكي، في سياق إقليمي ودولي أوسع تداخلت فيه اعتبارات متعددة.
وتوضح المقارنة بين محطتي 2013 و2020 أن العلاقات الاستراتيجية قد تعرف خلافات حادة وتحولات في المواقف، وأن قراءة نتائجها تقتضي مراعاة السياقات السياسية وتغير المصالح، لا اختزالها في عامل واحد.
- إسبانيا.. من أزمة 2021 إلى إعادة بناء العلاقات
كشفت الأزمة المغربية الإسبانية سنة 2021 عن مدى ترابط الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية بين البلدين. فقد أدى استقبال إسبانيا زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي للعلاج إلى توتر دبلوماسي حاد، قبل أن تزيد أحداث الهجرة غير النظامية إلى سبتة من تعقيد الوضع.
لكن المصالح المتبادلة، المرتبطة بالجوار الجغرافي والتجارة والأمن والهجرة وحركة الأشخاص، ظلت عاملاً مؤثراً في مسار العلاقة، بما جعل استعادة الحوار خياراً أساسياً لتجاوز الأزمة.
وفي مارس 2022، أعلنت الحكومة الإسبانية تحولاً مهماً في موقفها من قضية الصحراء المغربية، بعدما اعتبرت المبادرة المغربية للحكم الذاتي الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية للتوصل إلى حل للنزاع. وتكرس هذا التوجه ضمن خارطة طريق جديدة للعلاقات الثنائية.
ولا يعني هذا التحول أن جميع الملفات الخلافية بين الرباط ومدريد قد حُسمت، أو أن الموقف الإسباني يمثل اعترافاً قانونياً صريحاً بالسيادة المغربية على الأقاليم الجنوبية. لكنه مثّل تغييراً واضحاً في المرجعية السياسية التي تؤطر موقف إسبانيا من مقترح الحكم الذاتي.
وتبرز هذه التجربة أهمية الاعتماد المتبادل في العلاقات الدولية؛ فالتعاون الأمني والاقتصادي والجغرافي يمكن أن يشجع الأطراف على البحث عن تسويات، لكنه يظل بحاجة إلى إدارة متوازنة تحول دون تحوله إلى مصدر دائم للتوتر.
فرنسا.. مراجعة مرجعيات الشراكة التقليدية
عرفت العلاقات المغربية الفرنسية، خلال الفترة الممتدة بين 2021 و2024، مرحلة من البرود والتوتر ارتبطت بعدد من الملفات، من بينها تدبير التأشيرات والتباينات السياسية بشأن الصحراء المغربية، فضلاً عن التحولات التي شهدتها البيئة الجيوسياسية في إفريقيا ومنطقة الساحل.

وأظهرت هذه المرحلة أن عمق الروابط التاريخية والاقتصادية والثقافية لا يكفي وحده لضمان استقرار العلاقات، ما لم يواكبه توافق سياسي بشأن القضايا ذات الأولوية لدى الطرفين.
وفي يوليوز 2024، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن حاضر ومستقبل الصحراء المغربية يندرجان في إطار السيادة المغربية، مؤكداً أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الإطار الذي ترى فرنسا من خلاله تسوية النزاع. وتكرس هذا الموقف خلال زيارته الرسمية إلى المغرب في أكتوبر من السنة نفسها.
وشكّل هذا التطور تحولاً مهماً في الموقف الفرنسي المعلن، وتزامن مع إعادة إطلاق الشراكة بين البلدين وتوقيع اتفاقيات تعاون في عدد من المجالات.
ومع ذلك، فإن تفسير هذا التحول باعتباره نتيجة مباشرة للضغط الدبلوماسي وحده يظل قراءة غير مكتملة؛ إذ تتداخل في القرارات الدولية اعتبارات اقتصادية وأمنية وإقليمية، إلى جانب حسابات السياسة الخارجية وتغير أولويات الدول.
وتبرز التجربة الفرنسية، في هذا السياق، أن الشراكات التقليدية ليست ثابتة بصورة مطلقة، وأن استمراريتها تتطلب مراجعة شروطها السياسية بما يتلاءم مع تطور المصالح المتبادلة.
- ألمانيا والسويد.. توسيع قاعدة الدعم السياسي
شهدت العلاقات المغربية الألمانية بدورها توتراً خلال سنة 2021، قبل أن تبدأ مرحلة استعادة التواصل السياسي والمؤسساتي. وفي غشت 2022، أكد البلدان استئناف التعاون وتطوير شراكة متعددة الأبعاد، مع اعتبار ألمانيا المبادرة المغربية للحكم الذاتي جهداً جدياً وذا مصداقية وأساساً جيداً للتوصل إلى حل متوافق عليه في إطار الأمم المتحدة.
وتبرز أهمية هذه المحطة في انتقال العلاقة من تدبير الخلاف إلى بناء إطار مؤسساتي للحوار الاستراتيجي، بما يتيح مناقشة القضايا الثنائية والإقليمية بصورة أكثر انتظاماً، ويحد من تأثير التوترات السياسية على مجالات التعاون الأخرى.
أما السويد، فقد سجل موقفها من قضية الصحراء المغربية تطوراً في يناير 2026، عندما أعلنت دعمها لمقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً ذا مصداقية للمفاوضات، في ضوء قرار مجلس الأمن رقم 2797، مع تأكيدها على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومتوافق عليه، في إطار الأمم المتحدة.
وتكشف هذه المحطات عن أهمية تنويع العلاقات الدولية وعدم حصر التحرك الدبلوماسي في عدد محدود من الشركاء. فكلما اتسعت شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية، ازدادت الخيارات المتاحة للدولة في تدبير الخلافات، مع ضرورة مراعاة اختلاف مواقف الدول وحدود ما تعنيه كل صيغة من صيغ الدعم السياسي.
- من الجغرافيا إلى النفوذ.. شروط القوة الاستراتيجية
لا تتحدد مكانة المغرب في علاقاته الدولية بحجم موارده المادية وحده، بل تتأثر أيضاً بموقعه عند ملتقى المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وامتداده الإفريقي، وبنياته التحتية، وشبكات الربط التجاري واللوجستي، فضلاً عن أدواره في مجالات الأمن والتعاون الإقليمي.
غير أن الموقع الجغرافي لا يتحول تلقائياً إلى نفوذ سياسي. فذلك يتطلب قدرة على استثمار البنيات التحتية والمشاريع الاقتصادية والشراكات الأمنية والتجارية، وتحويلها إلى مصالح متبادلة تجعل التعاون مع المملكة ذا قيمة استراتيجية بالنسبة إلى شركائها.
ومن هنا تبرز أهمية ما يمكن تسميته السيادة الوظيفية، أي قدرة الدولة على توظيف موقعها وإمكاناتها ومؤسساتها وشبكات علاقاتها في خدمة استقلال قرارها. وترتبط هذه القدرة أيضاً بمدى تطور الاقتصاد الوطني، والقدرات الصناعية والتكنولوجية، والقدرة على تقليص الاعتماد المفرط على الخارج في القطاعات الحيوية.
فالتنويع الدبلوماسي، مهما بلغت أهميته، لا يكفي وحده لضمان استقلال القرار إذا ظلت سلاسل التوريد والتجهيزات الاستراتيجية والتكنولوجيات الحساسة مرتبطة بمصادر محدودة. ولذلك، فإن بناء القوة التفاوضية يتطلب الجمع بين الدبلوماسية والتنمية الاقتصادية وتعزيز القدرات الوطنية.
كما أن الاعتماد المتبادل لا يمثل مكسباً دائماً في حد ذاته؛ إذ يمكن أن تتراجع قيمته إذا تمكن الشركاء من تطوير بدائل اقتصادية أو أمنية أو لوجستية. ومن ثم، فإن الحفاظ على النفوذ يقتضي مواصلة الاستثمار في المجالات التي تمنح المملكة قيمة مضافة داخل شبكات التعاون الإقليمي والدولي.
- عقيدة السيادة الاستراتيجية.. بين ثبات الأهداف ومرونة الوسائل
تتيح قراءة الأزمات المغربية مع الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا وألمانيا والسويد استخلاص مجموعة من السمات المتكررة في تدبير العلاقات الخارجية، من بينها ضبط إيقاع التصعيد، والمحافظة على قنوات التواصل، وتنويع الشراكات، وإعادة التفاوض بشأن المرجعيات السياسية، وربط استقرار العلاقات بمدى احترام المصالح التي تعتبرها المملكة أساسية.
لكن هذه السمات لا تعني أن جميع الأزمات اتبعت مساراً واحداً، أو أن كل تحول في موقف شريك دولي يمكن تفسيره حصراً بفاعلية التحرك المغربي. فلكل حالة سياقها الخاص، كما أن القرارات الخارجية تتأثر بتغير الحكومات وتوازنات المؤسسات والمصالح الإقليمية والدولية.
وفي ضوء ذلك، يمكن استخدام مفهوم عقيدة السيادة الاستراتيجية بوصفه إطاراً تحليلياً لفهم توجه يقوم على التمييز بين السيادة باعتبارها حق الدولة في اتخاذ قراراتها، والقوة باعتبارها مجموعة الموارد والقدرات التي تتيح لها حماية استقلال تلك القرارات.
وتتطلب هذه المقاربة الجمع بين الثبات في القضايا الجوهرية والمرونة في اختيار الوسائل، مع تفادي تحويل الخلافات إلى مواجهات تستنزف المصالح المشتركة أو تقلص فرص التفاوض مستقبلاً.
ويكتسب هذا التصور أهمية إضافية في ظل التحولات التي تعرفها العلاقات الدولية، حيث تتزايد المنافسة على الممرات التجارية والموارد والطاقة والتكنولوجيا، وتتداخل الاعتبارات الأمنية والاقتصادية مع حسابات النفوذ السياسي. وفي مثل هذه البيئة، لا يكفي أن تكون للدولة مواقف سيادية واضحة، بل تحتاج أيضاً إلى موارد وبدائل وشراكات تتيح لها الدفاع عنها بفاعلية.
خلاصة القول، إن إعادة هندسة موازين القوة لا تعني تغيير ترتيب القوى الكبرى، بقدر ما تعني قدرة الدولة على التأثير في حسابات شركائها وشروط تعاونهم معها. وفي الحالة المغربية، يرتبط هذا المسار بمدى نجاح المملكة في الجمع بين استقلال القرار، وتنويع الشراكات، وتعزيز قدراتها الاقتصادية والتكنولوجية، وتحويل موقعها الجغرافي وأدوارها الإقليمية إلى عناصر مستدامة تدعم مصالحها السيادية.