أثار الارتفاع المفاجئ في أسعار عدد من المواد الاستهلاكية، مباشرة بعد التساقطات المطرية الأخيرة، موجة واسعة من الجدل في الشارع المغربي، حيث عبّر مواطنون عن استغرابهم من استمرار الغلاء، بل وتفاقمه أحيانًا، رغم ما تحمله الأمطار عادة من آمال بانفراج اقتصادي وتحسن في وفرة المنتوجات الفلاحية. وبين من يربط الظاهرة بالمضاربة، ومن يعزوها لاختلالات أعمق في سلسلة التوزيع، خرج مهنيون لتقديم توضيحات تكشف خبايا المشهد.
– أمطار الخير… وصدمة الأسعار
لطالما ارتبطت الأمطار في الذاكرة الجماعية المغربية بانخفاض أسعار الخضر والفواكه، وتحسن العرض في الأسواق. غير أن الواقع هذه المرة خالف التوقعات، إذ سجلت أسعار بعض المنتوجات الأساسية ارتفاعًا ملحوظًا، ما دفع الكثيرين إلى التساؤل: كيف ترتفع الأسعار في موسم يُفترض أن يكون موسم وفرة؟
– اضطراب سلاسل التزويد
مهنيون في قطاع الفلاحة والنقل أوضحوا أن الأمطار الغزيرة، رغم أهميتها، تسببت في تعطيل مؤقت لعمليات الجني والنقل، خصوصًا في المناطق القروية التي تعاني من هشاشة البنية التحتية. فقد أدت الطرق غير المعبدة والفيضانات المحلية إلى صعوبة إيصال المنتوجات إلى أسواق الجملة، ما انعكس مباشرة على الكميات المعروضة ورفع الأسعار.
– كلفة الإنتاج لا تنخفض بين ليلة وضحاها
من جهة أخرى، شدد فلاحون على أن انخفاض الأسعار لا يكون فوريًا بعد التساقطات، لأن كلفة الإنتاج ما تزال مرتفعة، خاصة فيما يتعلق بالبذور، والأسمدة، والطاقة، وأجور اليد العاملة. وأكدوا أن الأمطار الحالية ستؤثر إيجابًا على المردودية على المدى المتوسط، لا القصير، وهو ما يتطلب بعض الوقت قبل أن ينعكس على جيب المستهلك.

– المضاربة… عامل حاضر بقوة
لم يُخفِ بعض المهنيين وجود ممارسات مضاربية تستغل أي اضطراب ظرفي في السوق، حيث يلجأ وسطاء إلى تخزين السلع أو التحكم في العرض لرفع الأسعار. واعتبروا أن غياب المراقبة الصارمة في بعض الأسواق يفتح المجال أمام هذه السلوكيات، التي تضر بالفلاح والمستهلك على حد سواء.
– المستهلك بين مطرقة الغلاء وسندان الانتظار
في المقابل، يعيش المواطن حالة من الترقب والقلق، خاصة في ظل تآكل القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة. ويرى متابعون أن استمرار هذا الوضع قد يزيد من حدة الاحتقان الاجتماعي، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لضبط الأسواق وضمان شفافية سلاسل التوزيع.
– هل من انفراج قريب؟
يتفق المهنيون على أن التحسن يبقى ممكنًا خلال الأسابيع المقبلة، شريطة استقرار الأحوال الجوية، وتكثيف المراقبة، وتحسين ظروف النقل والتسويق. فالأمطار، وإن كانت نعمة مؤكدة، تحتاج إلى سياسات مواكبة حتى تتحول فعليًا إلى انخفاض ملموس في الأسعار، بدل أن تبقى مجرد أمل مؤجل.
بين الواقع والتوقعات، يبقى الجدل قائمًا، في انتظار أن تُترجم أمطار الخير إلى انفراج حقيقي يلمسه المواطن المغربي في الأسواق، لا في نشرات الطقس فقط.