تعيش مدينة طنجة، التي تُقدَّم باعتبارها بوابة المغرب الاقتصادية نحو أوروبا وإفريقيا، على وقع مفارقة مقلقة: توسّع عمراني وصناعي متسارع من جهة، ونزيف صامت في قطاع حيوي كالكهرباء من جهة أخرى. فظاهرة سرقة التيار الكهربائي، التي تتخذ أشكالًا متعددة، باتت تشكل أحد أبرز التحديات التي تواجه تدبير الشبكة الكهربائية، لما لها من كلفة اقتصادية وتقنية واجتماعية باهظة.
– ظاهرة قديمة بأشكال متجددة
سرقة الكهرباء في طنجة ليست وليدة اليوم، لكنها شهدت خلال السنوات الأخيرة توسعًا ملحوظًا، خاصة في بعض الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة أو في مناطق التوسع العمراني غير المنظم. وتتراوح أساليبها بين الربط العشوائي المباشر بالشبكة، والتلاعب بالعدادات، وصولًا إلى استغلال ثغرات تقنية في بعض المنشآت.
ورغم الجهود التي تبذلها الجهة المفوض لها تدبير القطاع، فإن اتساع رقعة المدينة وتسارع وتيرة البناء يجعلان من المراقبة الدائمة تحديًا معقدًا، خصوصًا عندما تتداخل الاعتبارات الاجتماعية مع الإكراهات القانونية.
– خسائر مالية تُقوّض الاستثمار
تشير تقديرات مهنيين في القطاع إلى أن سرقة الكهرباء تتسبب في خسائر مالية بملايين الدراهم سنويًا، وهي مبالغ كان من الممكن توجيهها لتحديث الشبكة، وتقوية المحولات، وتوسيع التغطية لتلبية الطلب المتزايد، خاصة في المناطق الصناعية والسياحية.
هذا الفاقد غير التقني لا ينعكس فقط على الحسابات المالية، بل يحدّ من قدرة الفاعل المفوض على ضخ استثمارات جديدة، ويؤثر بشكل مباشر على مردودية المشاريع المرتبطة بتحسين جودة الخدمة، من تقليص الانقطاعات إلى تسريع الاستجابة للأعطال.
– المواطن الملتزم يدفع الثمن
أحد أخطر أوجه هذه الظاهرة يتمثل في الإخلال بمبدأ العدالة الطاقية. فالمواطن أو المقاولة التي تؤدي فواتيرها بانتظام تجد نفسها، بشكل غير مباشر، تتحمل جزءًا من كلفة هذا النزيف، سواء عبر الضغط على الشبكة أو ارتفاع التكاليف التشغيلية.
كما أن الاستعمال غير المشروع للكهرباء يؤدي إلى تحميل زائد على المحولات والأسلاك، ما يرفع من احتمال الأعطال وانقطاعات التيار، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الخدمة ويغذي شعورًا عامًا بعدم الإنصاف.
– مخاطر تقنية وسلامة مهددة
لا تقف تداعيات سرقة الكهرباء عند الجانب المالي، بل تمتد إلى مخاطر تقنية جسيمة. فالتوصيلات العشوائية، التي تُنجز غالبًا دون احترام أدنى معايير السلامة، تشكل خطرًا حقيقيًا على الأرواح والممتلكات، وتزيد من احتمالات الحرائق والصدمات الكهربائية، خصوصًا في الأحياء الهشة.
كما أن هذه الممارسات تعقّد عمليات الصيانة والتدخل، إذ يصبح من الصعب أحيانًا تحديد مصدر الخلل أو العطب في شبكة تعرّضت لتعديلات غير قانونية.
– بين الردع القانوني والبعد الاجتماعي
من الناحية القانونية، تُعد سرقة الكهرباء فعلًا مُجرَّمًا، وتُواجه بعقوبات قد تصل إلى الغرامات والمتابعات القضائية. غير أن المقاربة الزجرية الصرفة تظل، حسب عدد من الفاعلين، غير كافية لمعالجة الظاهرة من جذورها، خاصة عندما ترتبط بالفقر أو الهشاشة الاجتماعية.
ويرى متابعون أن الحل يكمن في اعتماد مقاربة شمولية، تجمع بين الصرامة في مواجهة الاستغلال المنظم أو التجاري غير المشروع، وبين إدماج اجتماعي مرن في الحالات المرتبطة بالعوز، عبر تسهيلات في الربط القانوني وجدولة الأداء.
-العدادات الذكية… حل تقني واعد
في هذا السياق، تُراهن الجهات المعنية على إدخال العدادات الذكية كوسيلة فعالة للحد من السرقات، بفضل قدرتها على الرصد الفوري للاختلالات والاستهلاك غير الطبيعي. غير أن تعميم هذه التكنولوجيا يتطلب استثمارات كبيرة، لا يمكن تحقيقها دون تقليص حجم الخسائر الحالية.
-طنجة ورهان الاستدامة
مدينة بحجم طنجة، وبطموحاتها الصناعية واللوجستية والسياحية، لا يمكنها تحمل استمرار هذا النزيف الطاقي. فشبكة كهرباء قوية، آمنة، وعادلة، تشكل أحد أعمدة الجاذبية الاستثمارية، وأي خلل في هذا القطاع ينعكس سلبًا على صورة المدينة وقدرتها التنافسية.
وفي ظل التحولات الكبرى التي يشهدها قطاع الطاقة، يبقى التصدي لسرقة الكهرباء اختبارًا حقيقيًا لنجاعة السياسات العمومية، وقدرة الفاعلين على التوفيق بين متطلبات التنمية، وحماية الاستثمار، والعدالة الاجتماعية.