اليمين الإسباني والانتخابات المقبلة.. لماذا يترقب المغرب ما يجري في مدريد ؟
م-م nrtnews
في الوقت الذي تنشغل فيه الساحة السياسية المغربية بالتحضير للانتخابات التشريعية المرتقبة نهاية شتنبر المقبل، تبرز على الضفة الشمالية للمتوسط محطة سياسية لا تقل أهمية بالنسبة للمملكة، تتمثل في الانتخابات العامة الإسبانية المنتظر إجراؤها سنة 2027، بالنظر إلى ما قد تحمله من انعكاسات مباشرة على ملفات استراتيجية تجمع البلدين، وفي مقدمتها الصحراء المغربية والهجرة والتعاون الأمني وسبتة ومليلية.
ولم تعد الانتخابات الإسبانية شأناً داخلياً يهم مدريد وحدها، بل تحولت إلى حدث تتابعه الرباط باهتمام، لأن هوية الحكومة المقبلة قد تحدد ملامح العلاقة بين البلدين خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل الصعود المتواصل لأحزاب اليمين واليمين المتطرف، التي جعلت من المغرب ورقة انتخابية متكررة في خطابها السياسي.
وتشير استطلاعات الرأي الأخيرة إلى تقدم الحزب الشعبي، مع ترجيح حاجته إلى التحالف مع حزب “فوكس” اليميني المتطرف لتشكيل الحكومة المقبلة، وهو سيناريو يثير تساؤلات بشأن مستقبل التقارب الذي شهدته العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة في عهد حكومة بيدرو سانشيز.
ويتبنى حزب “فوكس”، بقيادة سانتياغو أباسكال، خطاباً متشدداً تجاه المغرب، إذ يربط باستمرار بين قضايا الهجرة والأمن والحدود، ويعارض الموقف الذي تبنته الحكومة الإسبانية الداعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، كما يوظف في خطاباته مراجع تاريخية تعود إلى حقبة الأندلس، وهو ما يعتبره متابعون محاولة لاستثارة المشاعر القومية وكسب أصوات الناخبين المحافظين.

ولا يختلف الحزب الشعبي كثيراً في بعض مواقفه المتعلقة بالمغرب، وإن كان يعتمد خطاباً أقل حدة، إذ يواصل قادته انتقاد حكومة سانشيز، متهمين إياها بتقديم تنازلات للرباط، خصوصاً بعد إعلان مدريد سنة 2022 دعمها لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية نزاع الصحراء.
ويظل رئيس الوزراء الأسبق خوسيه ماريا أثنار أحد أبرز الأصوات المؤثرة داخل الحزب الشعبي، رغم مغادرته السلطة منذ سنوات، إذ لا يتردد في مهاجمة السياسة الخارجية للحكومة الاشتراكية، معتبراً أن التقارب مع المغرب جاء على حساب المصالح الإسبانية. كما عاد أخيراً إلى الواجهة عبر مقال نشره في صحيفة ABC، توقع فيه عودة اليمين إلى الحكم بعد الانتخابات المقبلة.
وتستحضر هذه التطورات إحدى أكثر المحطات توتراً في العلاقات المغربية الإسبانية، وهي أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، التي اندلعت في عهد حكومة أثنار، قبل أن تنتهي بوساطة أمريكية أعادت الوضع إلى ما كان عليه، لتبقى تلك الأزمة رمزاً لفترة اتسمت بالتوتر بين الرباط ومدريد.
ورغم الاختلافات السياسية، فإن العلاقات بين المغرب وإسبانيا أصبحت اليوم أكثر تشابكاً من أي وقت مضى، إذ يتقاسم البلدان مصالح استراتيجية في مجالات الأمن ومكافحة الإرهاب والطاقة والاستثمار والهجرة، ما يجعل أي تغيير في المشهد السياسي الإسباني محل متابعة دقيقة من الرباط.
وبينما لا تزال نتائج الانتخابات المقبلة غير محسومة، فإن المؤكد هو أن المغرب سيظل حاضراً بقوة في النقاش السياسي الإسباني، سواء باعتباره شريكاً استراتيجياً أو ورقة انتخابية توظفها بعض الأحزاب في سباقها نحو السلطة، وهو ما يجعل استحقاق 2027 محطة مفصلية ليس لإسبانيا فقط، بل أيضاً لمستقبل العلاقات المغربية الإسبانية