الروداني: المسودة الأمريكية تعزز مركزية الحكم الذاتي في مفاوضات الصحراء

م.ب

تفتح المسودة الأمريكية الجديدة بشأن الصحراء، المتداولة داخل مجلس الأمن، نقاشاً حول مستقبل المسار السياسي للنزاع وطبيعة المرجعيات التي ستؤطر المفاوضات المقبلة، في ظل توجه نحو جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي محوراً أساسياً في البحث عن تسوية سياسية.

 

وفي قراءة لمضامين المسودة، اعتبر الشرقاوي الروداني، أستاذ العلاقات الدولية والخبير في القضايا الجيوسياسية والاستراتيجية والأمنية، أن الصيغة الأمريكية المؤرخة في 26 أكتوبر 2026 تعكس تحولاً في طريقة تدبير الملف داخل الأمم المتحدة، يتجاوز التعديلات اللغوية المعتادة في مشاريع القرارات، ويمس طبيعة الإطار السياسي والمؤسساتي الذي ستجري ضمنه المفاوضات.

 

وأوضح الروداني، في تصريح لموقع «أخبارنا»، أن تطور المقاربة الأممية ينبغي أن يُقرأ من خلال المرجعيات التي تعتمدها القرارات ومشاريعها، وليس فقط من خلال حدة العبارات المستخدمة، مبرزاً أن مسار التسوية عرف منذ سنة 1991 صعوبات مرتبطة بتعثر تنفيذ مخطط الاستفتاء، مقابل تزايد التركيز على البحث عن حل سياسي واقعي ودائم ومقبول من الأطراف.

 

وأضاف أن القرار الأممي رقم 2797، المعتمد سنة 2025، شكل محطة في هذا المسار، بعدما جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات الرامية إلى التوصل إلى تسوية سياسية متوافق بشأنها.

 

الحكم الذاتي في صلب المفاوضات المرتقبة

وفي تحليله لمضمون المسودة الأمريكية، أبرز الخبير أن الإحالة على القرار 2797 والتأكيد على المبادرة المغربية للحكم الذاتي يشكلان عنصرين أساسيين في تحديد اتجاه العملية السياسية، خصوصاً مع التوجه نحو إجراء مفاوضات تنطلق من مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

 

واعتبر أن اعتماد مقترح محدد مرجعاً للتفاوض يختلف عن صيغة المفاوضات المفتوحة على مرجعيات متباينة، لما لذلك من تأثير على طبيعة النقاش والأرضية التي ستُبنى عليها التسوية المحتملة.

 

غير أن الروداني شدد على أن هذا التطور، حتى في حال اعتماده ضمن قرار جديد، لا يعني الحسم المسبق في جميع التفاصيل القانونية والسياسية للنزاع، ولا يلغي الحاجة إلى المفاوضات والتوافق بين الأطراف المعنية.

 

مواقف روسيا والصين وحسابات مجلس الأمن

350 * 350

وبخصوص المواقف المحتملة داخل مجلس الأمن، دعا الروداني إلى قراءة تحفظات بعض الأعضاء، خصوصاً روسيا والصين، ضمن السياق الأوسع للتوازنات الدولية وطبيعة الدور الذي تضطلع به الأمم المتحدة في إدارة النزاعات وتسويتها.

 

وأوضح أن اختلاف المواقف داخل المجلس لا ينبغي اختزاله في ثنائية التأييد أو المعارضة للمبادرة المغربية، بالنظر إلى تعدد الاعتبارات الدبلوماسية والاستراتيجية التي تتحكم في مواقف الدول، بما فيها طبيعة دور الأمم المتحدة واستمرارية آلياتها المؤسساتية.

 

وفي هذا الإطار، عرفت المسودة الأمريكية تعديلات خلال المشاورات التي سبقت عرضها على أعضاء مجلس الأمن، شملت مراجعة بعض المقترحات المرتبطة بإعادة تنظيم بعثة «المينورسو»، مع الحفاظ على موقع مبادرة الحكم الذاتي في أساس المفاوضات، وفق تقارير إعلامية استندت إلى مصادر مطلعة على المشاورات.

 

تقرير المصير بين المبدأ القانوني والآلية السياسية

وفي ما يتعلق بمبدأ تقرير المصير، أكد الروداني ضرورة التمييز بين المفهوم القانوني والوسائل الإجرائية التي يمكن اعتمادها لممارسته، موضحاً أن الاستفتاء يمثل إحدى الآليات الممكنة، لكنه لا يشكل المعنى الوحيد لتقرير المصير.

 

وأشار إلى أن النقاش الأممي انتقل تدريجياً نحو البحث عن تسوية سياسية متفاوض بشأنها، فيما يعتبر المغرب أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يشكل إطاراً لممارسة تقرير المصير، مع الحفاظ على الوحدة الترابية للمملكة.

 

وتظل هذه المسألة من بين المحاور الأساسية في النقاش القانوني والسياسي المرتبط بالملف، بالنظر إلى اختلاف تصورات الأطراف بشأن الصيغة النهائية للتسوية.

 

مستقبل المينورسو ضمن التحولات المؤسساتية

ويرى الخبير أن التحولات المحتملة لا تتعلق فقط بالمرجعية السياسية للمفاوضات، بل تمتد أيضاً إلى مستقبل دور الأمم المتحدة وبعثة «المينورسو»، التي أُنشئت سنة 1991 في إطار مخطط التسوية.

وفي هذا السياق، يكتسي تقييم مهام البعثة وطبيعة انخراطها في المرحلة المقبلة أهمية خاصة، خصوصاً بعدما طلب مجلس الأمن، بموجب القرار 2797، إعداد مراجعة استراتيجية بشأن مستقبل ولايتها، مع مراعاة نتائج المفاوضات.

 

وخلص الروداني إلى أن المرحلة المقبلة ستتحدد وفق الصيغة النهائية التي سيعتمدها مجلس الأمن، ومدى التوافق بين أعضائه بشأن المرجعيات السياسية وآليات مواصلة العملية الأممية، مؤكداً أن أهمية المسودة تكمن في ما قد تفتحه من نقاش حول الانتقال من تدبير النزاع إلى البحث عن شروط عملية لتسويته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.