تحتل مسألة الحفاظ على وحدة الدول وسيادتها الترابية مكانة محورية في العلاقات الدولية، باعتبارها من القضايا المرتبطة باستقرار الأنظمة السياسية وحماية الحدود الوطنية. غير أن التعامل مع المطالب الانفصالية يختلف من دولة إلى أخرى، تبعاً لخصوصياتها الدستورية والتاريخية والسياسية، وهو ما تكشفه تجارب عدد من البلدان، من إسبانيا وبريطانيا إلى الصين وروسيا.
وتبرز هذه التجارب وجود توجه مشترك لدى العديد من الحكومات نحو حماية وحدة أراضيها، مع اعتماد مقاربات مختلفة تجمع بين الأدوات الدستورية والقضائية والسياسية، وفي بعض الحالات التدخلات العسكرية.
وفي هذا الإطار، يستند النقاش الدولي إلى مجموعة من المبادئ القانونية، من بينها احترام السيادة وسلامة أراضي الدول، إلى جانب حق الشعوب في تقرير مصيرها، خصوصاً في سياقات إنهاء الاستعمار والاحتلال. وهي مبادئ تتطلب قراءة سياقاتها القانونية والتاريخية، بعيداً عن التعميم أو إسقاط تجربة دولة على أخرى.
- إسبانيا وكتالونيا.. الدستور في مواجهة الانفصال
تقدم التجربة الإسبانية أحد أبرز النماذج الأوروبية في التعامل مع النزعات الانفصالية، بعدما دخلت الحكومة المركزية في مدريد سنة 2017 في مواجهة دستورية وسياسية مع السلطات المحلية في إقليم كتالونيا، على خلفية تنظيم استفتاء أحادي الجانب بشأن الاستقلال.
واستندت الدولة الإسبانية إلى المادة الثانية من دستورها، التي تنص على وحدة الأمة الإسبانية وعدم قابليتها للتجزئة، كما قضت المحكمة الدستورية بعدم دستورية القانون الذي استند إليه تنظيم الاستفتاء.
وتطورت الأزمة إلى إجراءات قضائية وسياسية، شملت تفعيل المادة 155 من الدستور، التي تتيح للحكومة المركزية اتخاذ تدابير لضمان التزام السلطات الجهوية بالقانون، فضلاً عن ملاحقة عدد من المسؤولين عن مسار الاستقلال.
ومن بين أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة كارليس بودجمون، الرئيس السابق لحكومة كتالونيا، الذي غادر إسبانيا سنة 2017. وقد شهد وضعه القضائي تطوراً في أكتوبر 2026، بعد رفع مذكرات التوقيف الوطنية الصادرة بحقه، في سياق المستجدات المرتبطة بتطبيق قانون العفو، دون أن يعني ذلك حسم جميع الإجراءات القضائية المرتبطة بالقضية.
- بريطانيا واسكتلندا.. الحسم عبر المؤسسات الدستورية
وفي المملكة المتحدة، اتخذت قضية استقلال اسكتلندا مساراً مختلفاً، بعدما سمحت السلطات البريطانية بإجراء استفتاء سنة 2014، في إطار اتفاق بين الحكومتين البريطانية والاسكتلندية، انتهى بتصويت الأغلبية لصالح البقاء ضمن المملكة المتحدة.
لكن الجدل عاد إلى الواجهة مع مطالب تنظيم استفتاء ثانٍ، خصوصاً بعد التطورات السياسية التي أعقبت خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وفي نونبر 2022، أصدرت المحكمة العليا البريطانية حكماً يقضي بعدم امتلاك البرلمان الاسكتلندي صلاحية تنظيم استفتاء جديد على الاستقلال دون موافقة السلطات المركزية، معتبرة أن هذه المسألة تدخل ضمن الاختصاصات المحفوظة للبرلمان البريطاني.
وتعكس هذه التجربة اعتماد لندن على المسار الدستوري والقضائي في تدبير الخلاف حول مستقبل الاتحاد، مع إبقاء إمكانية التغيير رهينة التوافق والإجراءات المؤسساتية المعتمدة.
- الصين وتايوان.. وحدة الدولة في صلب الحسابات الاستراتيجية
وفي شرق آسيا، تتخذ قضية تايوان بعداً أكثر تعقيداً، بالنظر إلى الخلاف التاريخي والسياسي بين بكين وتايبيه.
فالصين تعتبر تايوان جزءاً من أراضيها وتتمسك بمبدأ الصين الواحدة، في حين تتمتع الجزيرة بحكم ذاتي فعلي، ولديها مؤسساتها السياسية والإدارية والعسكرية الخاصة.
وفي سنة 2005، أقرت بكين قانون مكافحة الانفصال، الذي يحدد الشروط التي تعتبرها السلطات الصينية مبرراً لاستخدام الوسائل غير السلمية، في حال اعتبرت أن محاولات استقلال تايوان بلغت مرحلة تهدد وحدة البلاد.

ويعكس هذا القانون تشدد الموقف الصيني تجاه أي مسار يؤدي إلى استقلال الجزيرة، في ظل استمرار التوترات السياسية والعسكرية بين الطرفين، وتباين مواقف القوى الدولية بشأن مستقبل العلاقة عبر مضيق تايوان.
- الشيشان وروسيا.. صراع مسلح انتهى باستعادة السيطرة الفيدرالية
أما التجربة الروسية، فتقدم نموذجاً مختلفاً، بعدما واجهت موسكو في تسعينيات القرن الماضي حركة انفصالية مسلحة في الشيشان، خلال مرحلة اتسمت باضطرابات عميقة أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي.
وكانت الشيشان قد أعلنت استقلالها سنة 1991 بقيادة جوهر دوداييف، قبل اندلاع الحرب الأولى مع القوات الروسية سنة 1994، وهي المواجهة التي انتهت باتفاق خاسافيورت سنة 1996، الذي مهد لانسحاب القوات الروسية وأرجأ حسم الوضع النهائي للإقليم.
غير أن المواجهات تجددت سنة 1999، مع اندلاع الحرب الشيشانية الثانية، لتتمكن موسكو تدريجياً من استعادة السيطرة الفيدرالية على المنطقة، التي أصبحت لاحقاً جمهورية ضمن الاتحاد الروسي.
وتكشف هذه التجربة عن الكلفة الأمنية والسياسية الكبيرة التي يمكن أن تترتب عن النزاعات الانفصالية عندما تتحول إلى مواجهات مسلحة طويلة الأمد.
- الجزائر والقبائل.. تباين المواقف بين الخارج والداخل
وفي شمال إفريقيا، تبرز الجزائر ضمن النقاش المتعلق بالتوازن بين مبدأ تقرير المصير والحفاظ على الوحدة الترابية.
فالجزائر حصلت على استقلالها سنة 1962، عقب استفتاء تقرير المصير الذي نظم في الأول من يوليوز من السنة نفسها، بعد 132 سنة من الاستعمار الفرنسي، قبل إعلان الاستقلال رسمياً في الخامس من يوليوز.
وفي المقابل، ترفض السلطات الجزائرية المطالب الانفصالية المرتبطة بمنطقة القبائل، وتصنف حركة تقرير مصير القبائل المعروفة اختصاراً بـ”MAK” منظمة إرهابية منذ سنة 2021، وهو تصنيف ترفضه الحركة التي تقدم نفسها باعتبارها حركة سياسية تطالب بتقرير المصير.
وتعود إحدى أبرز محطات التوتر بين الرباط والجزائر بشأن هذا الملف إلى سنة 2021، حين عبر الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة عن دعم حق الشعب القبائلي في تقرير مصيره، وهو الموقف الذي اعتبرته الجزائر تدخلاً في شؤونها الداخلية، وأدى إلى تصعيد جديد في العلاقات الثنائية.
وتتواصل الخلافات بشأن هذه القضية، في ظل اتهامات جزائرية بوجود دعم خارجي للحركة، مقابل رفض الحركة لهذه الاتهامات، وتباين المواقف بشأن طبيعة مطالبها ومدى تمثيليتها داخل منطقة القبائل.
- الصحراء المغربية.. مسار أممي بين مقترح الحكم الذاتي وتقرير المصير
ولا يمكن فصل هذا النقاش عن ملف الصحراء المغربية، الذي يشكل أحد أبرز ملفات النزاع الإقليمي في شمال إفريقيا، في ظل تمسك المغرب بمقترح الحكم الذاتي تحت سيادته، مقابل استمرار الخلاف مع جبهة البوليساريو بشأن الحل النهائي.
وقد شهد المسار الأممي تطورات مهمة خلال السنوات الأخيرة، إذ دعا قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025 إلى مواصلة المفاوضات على أساس المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي نهائي ومقبول من الأطراف يضمن تقرير المصير لسكان الإقليم.
وفي تطور لافت، أخفق مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2026 في اعتماد مشروعي قرارين متنافسين بشأن مستقبل بعثة المينورسو، ما أدى إلى انتهاء ولايتها الأممية في ذلك التاريخ، وهو ما أعاد النقاش حول مستقبل المسار الدولي لتسوية النزاع.
وتبرز مختلف هذه التجارب أن التعامل مع المطالب الانفصالية لا يخضع لوصفة واحدة، بل يتأثر بطبيعة النظام الدستوري والتوازنات السياسية والاعتبارات الأمنية لكل دولة.
كما تؤكد أن المقارنة بين النزاعات الترابية تقتضي التمييز بين السياقات التاريخية والقانونية لكل حالة، وعدم التعامل مع حق تقرير المصير ووحدة الأراضي باعتبارهما مبدأين منفصلين بصورة مطلقة عن الظروف التي نشأ فيها كل نزاع.