مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في 23 شتنبر، يتسع النقاش حول مدى حضور مختلف فئات المجتمع في البرامج السياسية والإعلامية المواكبة للاستحقاقات، فيما تضع جمعيات مدافعة عن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة الإعلام العمومي والأحزاب السياسية أمام مسؤولية إشراك هذه الفئة في النقاش الانتخابي، وعدم التعامل مع قضاياها باعتبارها ملفاً هامشياً أو موسمياً.
وفي هذا السياق، وجهت جمعيات عاملة في مجال الدفاع عن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة مراسلة إلى مسؤولي قنوات القطب العمومي، انتقدت من خلالها ما اعتبرته غياباً لصوت هذه الفئة عن النقاشات السياسية التي تسبق الانتخابات، مقارنة بالحضور الذي تحظى به فئات اجتماعية ومهنية أخرى في البرامج الحوارية المخصصة لمساءلة الأمناء العامين للأحزاب حول برامجهم ووعودهم الانتخابية.
وأشارت الجمعيات إلى أن البرامج السياسية التي تسبق الاستحقاقات تستضيف ممثلين عن مغاربة العالم والفلاحين والنساء والشباب والنقابات والمهنيين وفاعلين في مجالات مختلفة، وهو ما اعتبرته مؤشراً إيجابياً على انفتاح النقاش الانتخابي على مكونات المجتمع، لكنها تساءلت في المقابل عن موقع الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن هذه الدينامية.
وطرحت الجمعيات جملة من الأسئلة بشأن مدى حضور قضية الإعاقة في أجندة الإعلام العمومي، وما إذا كان الأشخاص في وضعية إعاقة سيحظون بالفرصة نفسها لطرح أسئلتهم على قادة الأحزاب، والتعرف إلى ما تحمله البرامج الانتخابية من مقترحات تخص أوضاعهم وحقوقهم.
- “أين صوت الأشخاص في وضعية إعاقة؟”
وانتقدت المراسلة ما وصفته بتغييب صوت الأشخاص في وضعية إعاقة عن النقاش الانتخابي، متسائلة عن أسباب عدم حضور ممثلين عن هذه الفئة في البرامج السياسية، وعن الجهات التي ستتولى مساءلة الأحزاب بشأن ما أعدته لأشخاص يعيشون أوضاعاً مختلفة من الإعاقة وأسرهم.
كما تساءلت الجمعيات عما إذا كانت قضايا الإعاقة ستتحول إلى أولوية حقيقية في البرامج الانتخابية، أم ستظل حاضرة فقط في شكل شعارات مرتبطة بالمناسبات، معتبرة أن من غير المنطقي إتاحة المجال لمختلف الفئات الاجتماعية لمساءلة الأحزاب، ثم تهميش هذه الفئة عندما يتعلق الأمر بحقوقها وانتظاراتها.
ولا تقتصر المطالب الجمعوية على الحضور الإعلامي، بل تمتد إلى مضمون البرامج السياسية نفسها، خصوصاً في ما يتعلق بالتعليم والصحة والتشغيل والحماية الاجتماعية والسكن والنقل والولوجيات والخدمات الاجتماعية والمشاركة السياسية ومكافحة التمييز.
- ميسور: قضية الإعاقة ليست ملفاً موسمياً
منير ميسور، رئيس الجامعة الوطنية للعمل الاجتماعي بالمغرب، اعتبر أن الحديث عن إعلام عمومي يعكس مختلف مكونات المجتمع يقتضي، بالضرورة، حضور الأشخاص في وضعية إعاقة ضمن النقاشات السياسية التي تسبق الانتخابات.
وأوضح أن إثارة الموضوع لا تأتي من باب الانتقاد من أجل الانتقاد، وإنما انطلاقاً من مسؤولية مهنية ومدنية، خصوصاً في ظل النقاش المفتوح حول انتظارات مختلف الفئات الاجتماعية ومشاكلها، وطرح الأسئلة على الأحزاب السياسية بشأن الحلول التي تقترحها.
وقال ميسور إن السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين توجد قضية الإعاقة داخل هذا النقاش؟
وشدد على أن الأشخاص في وضعية إعاقة ليسوا أقل أهمية من أي فئة اجتماعية أخرى، ولا ينبغي أن يرتبط حضورهم في المجال العام بمناسبة وطنية أو حملة تضامنية أو نشاط بروتوكولي، مؤكداً أن هذه الفئة جزء أصيل من المجتمع، ولها أسر وانتظارات وحقوق، كما لها الحق في مساءلة الأحزاب السياسية حول ما ستقترحه لتحسين أوضاعها.
- من الحضور الرمزي إلى المشاركة الفعلية
ويرى الفاعل المدني أن المطلوب لا يتمثل فقط في استضافة أشخاص في وضعية إعاقة داخل البرامج التلفزيونية، وإنما في ضمان مشاركتهم الفعلية في النقاش السياسي، وتمكينهم من طرح الأسئلة التي ترتبط مباشرة بحياتهم اليومية وحقوقهم الأساسية.

وتكتسي هذه المطالب أهمية خاصة في ظل تأكيد الإطار التنظيمي للانتخابات على ضرورة ضمان ولوج الأشخاص في وضعية إعاقة إلى البرامج الانتخابية، بما في ذلك اعتماد وسائل تيسّر مشاركتهم واستفادتهم من المضامين الإعلامية، مثل لغة الإشارة والترجمة المكتوبة والوصف الصوتي عند الاقتضاء.
كما أن حضور قضية الإعاقة في النقاش الانتخابي يرتبط بمبدأ أوسع يتعلق بالمواطنة والمشاركة السياسية المتساوية، خاصة أن الدستور المغربي ينص على التزام السلطات العمومية باتخاذ التدابير الكفيلة بتيسير تمتع الأشخاص في وضعية إعاقة بالحقوق والحريات المعترف بها للجميع.
- التعليم والصحة والتشغيل.. ملفات تنتظر أجوبة سياسية
ويضع الفاعلون المدنيون الأحزاب السياسية أمام مجموعة من الملفات التي يعتبرونها أساسية في أي تصور مستقبلي للسياسات العمومية المتعلقة بالإعاقة.
ويتعلق الأمر، على الخصوص، بضمان تعليم دامج وملائم، وتحسين الولوج إلى الخدمات الصحية، وتعزيز فرص التشغيل والإدماج الاقتصادي، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين الولوجيات في الفضاءات والمرافق العمومية، وتطوير النقل الملائم، فضلاً عن تعزيز استقلالية الأشخاص في وضعية إعاقة ومشاركتهم في الحياة العامة.
كما يبرز ملف الخدمات الاجتماعية ودعم الأسر التي تتحمل أعباء إضافية مرتبطة بالإعاقة، إلى جانب مكافحة أشكال التمييز والعنف التي قد تطال هذه الفئة.
وبالنسبة إلى الجمعيات، فإن طرح هذه الملفات خلال الحملة الانتخابية يسمح للناخبين، بمن فيهم الأشخاص في وضعية إعاقة وأسرهم، بالتعرف إلى الاختيارات التي تقترحها الأحزاب، كما يتيح لاحقاً إمكانية محاسبة المنتخبين على مدى تنفيذ التزاماتهم.
- مسؤولية مشتركة بين الإعلام والأحزاب والمجتمع المدني
وأكد ميسور أن مسؤولية إدماج قضية الإعاقة في النقاش الانتخابي لا تقع على عاتق الإعلام العمومي وحده، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين وسائل الإعلام والأحزاب السياسية والفاعلين المدنيين والمؤسسات المعنية.
فالإعلام مطالب بفتح المجال أمام هذه الفئة للتعبير عن قضاياها وطرح أسئلتها، فيما تتحمل الأحزاب مسؤولية تقديم أجوبة واضحة وقابلة للتنفيذ، بينما يظل دور المجتمع المدني أساسياً في نقل انتظارات الأشخاص في وضعية إعاقة والدفاع عن حقوقهم.
وشدد ميسور على ضرورة عدم تحويل الأشخاص في وضعية إعاقة إلى مجرد “رقم انتخابي” أو صورة رمزية تستخدم خلال الحملات، مؤكداً أن المطلوب هو إدماج قضية الإعاقة في صلب السياسات العمومية وليس التعامل معها كملف اجتماعي منفصل.
- هل تعكس “مرآة الإعلام” جميع المغاربة؟
ويعيد هذا الجدل طرح سؤال أوسع حول وظيفة الإعلام العمومي خلال الفترات الانتخابية، ومدى قدرته على عكس التنوع الاجتماعي للمغرب وإتاحة الفرصة لمختلف الفئات للمشاركة في النقاش العمومي.
فإذا كانت الانتخابات تشكل محطة أساسية لمساءلة الأحزاب حول برامجها واختياراتها، فإن حضور الأشخاص في وضعية إعاقة في هذا النقاش لا ينبغي أن يقتصر على التمثيل الرمزي، بل يفترض أن يتحول إلى مشاركة حقيقية تتيح لهم التعبير عن انتظاراتهم ومساءلة الفاعلين السياسيين بشأنها.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد فيه القواعد المؤطرة للتغطية الإعلامية للانتخابات على أهمية التعددية والإنصاف وتمكين الأشخاص في وضعية إعاقة من الولوج إلى البرامج الانتخابية والمشاركة فيها بشكل فعلي.
وبينما تتجه مختلف الأحزاب إلى تكثيف تواصلها مع الناخبين استعداداً لاستحقاقات 23 شتنبر، تضع الجمعيات المدافعة عن حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة قضية هذه الفئة أمام اختبار جديد: هل ستتحول الإعاقة إلى ملف حاضر فعلياً في البرامج والنقاشات الانتخابية، أم ستظل حضوراً موسمياً لا يتجاوز المناسبات والشعارات؟