ارتفاع النفط يضغط على المغرب.. فاتورة الطاقة تتجاوز 41 مليار درهم في 4 أشهر

م.ب

تواجه المالية المغربية ضغوطاً متزايدة مع عودة أسعار النفط إلى الارتفاع في الأسواق العالمية واقتراب سعر البرميل من عتبة 110 دولارات، في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية واضطراب مسارات الإمداد، وهو ما ينعكس مباشرة على فاتورة الطاقة وتوازنات التجارة والمالية العمومية بالمغرب.

وتأتي هذه التطورات في وقت يعتمد فيه المغرب بدرجة كبيرة على الواردات لتأمين حاجياته من الطاقة، ما يجعل الاقتصاد الوطني أكثر عرضة لتقلبات الأسعار الدولية وأي اضطرابات تطال حركة الملاحة أو سلاسل الإمداد العالمية.

  • فاتورة الطاقة تعود إلى الارتفاع

وتظهر المعطيات الرسمية حجم الضغط المتزايد على فاتورة الطاقة. فقد بلغت قيمة واردات المغرب من الطاقة خلال سنة 2025 نحو 107.56 مليار درهم، مسجلة تراجعاً بنسبة 5.5 في المائة مقارنة بسنة 2024.

غير أن الاتجاه تغير خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، حيث ارتفعت واردات الطاقة بنسبة 12 في المائة خلال الأشهر الأربعة الأولى من السنة، لتصل قيمتها إلى نحو 41.8 مليار درهم.

وتعكس هذه الأرقام تأثير ارتفاع الأسعار الدولية على كلفة تزويد السوق المغربية بالطاقة، خصوصاً في ظل استمرار حالة عدم اليقين التي تطبع الأسواق العالمية.

ويطرح هذا المسار احتمال تسجيل فاتورة طاقية أعلى خلال سنة 2026، في حال استمرت أسعار النفط في مستويات مرتفعة وتواصلت الاضطرابات التي تؤثر على حركة التجارة وإمدادات الطاقة.

  • التوترات الجيوسياسية تزيد مخاطر الإمدادات

ويرتبط ارتفاع أسعار النفط بشكل وثيق بالتطورات الجيوسياسية في مناطق الإنتاج وطرق العبور الرئيسية.

ويكتسي مضيق هرمز أهمية خاصة في حركة إمدادات الطاقة العالمية، فيما تثير التوترات المرتبطة بمضيق باب المندب مخاوف إضافية بشأن حركة النقل البحري، خصوصاً مع ارتفاع التهديدات التي تواجه السفن في المنطقة.

وتؤدي اضطرابات الملاحة إلى دفع بعض السفن نحو مسارات أطول، ما يرفع تكاليف النقل والتأمين والشحن البحري، وينعكس في نهاية المطاف على كلفة استيراد عدد من المواد، وفي مقدمتها مصادر الطاقة.

كما تظل تداعيات الحرب في أوكرانيا والتوترات المستمرة في الشرق الأوسط عاملاً إضافياً في إبقاء أسواق الطاقة العالمية تحت ضغط وتقلب مستمرين.

  • انعكاسات مباشرة على الاقتصاد المغربي

ويظهر تأثير ارتفاع أسعار النفط بشكل مباشر في كلفة واردات المحروقات والغاز، كما يمكن أن يمتد إلى قطاعات أخرى نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والإنتاج.

وتؤدي زيادة أسعار الطاقة إلى رفع كلفة نقل السلع والمواد الأولية، وهو ما قد ينعكس على أسعار عدد من المنتجات والخدمات، ويزيد الضغوط المرتبطة بالتضخم.

كما أن ارتفاع قيمة الواردات الطاقية يساهم في توسيع الضغط على الميزان التجاري، بالنظر إلى الوزن الكبير للطاقة ضمن الواردات المغربية.

وتزداد الضغوط على احتياطيات البلاد من العملة الصعبة كلما ارتفعت قيمة المدفوعات الموجهة إلى الخارج لاقتناء الطاقة، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع ارتفاع قوي ومستمر في أسعار النفط والغاز.

  • ضغط إضافي على المالية العمومية

ولا تقتصر تداعيات ارتفاع النفط على المبادلات التجارية، بل تمتد أيضاً إلى المالية العمومية، خصوصاً في ظل الحاجة إلى مواكبة ارتفاع أسعار بعض المواد الطاقية.

ويبرز غاز البوتان في مقدمة المنتجات التي تفرض كلفة إضافية على الميزانية، في ظل استمرار الدعم الموجه إلى قنينات الغاز للحفاظ على استقرار أسعارها.

كما يمكن لارتفاع أسعار المحروقات أن يفرض ضغوطاً إضافية مرتبطة بمواكبة بعض القطاعات، من بينها النقل، بهدف الحد من انعكاس ارتفاع تكاليف الوقود على المهنيين وعلى أسعار الخدمات.

ويضع ذلك الحكومة أمام معادلة صعبة تجمع بين الحفاظ على التوازنات المالية والاقتصادية من جهة، والحد من انتقال الصدمات الخارجية إلى الأسر والمقاولات من جهة أخرى.

  • الانتقال الطاقي في مواجهة تقلبات الأسواق

وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة النقاش حول تقليص اعتماد الاقتصاد المغربي على تقلبات أسواق الطاقة العالمية، من خلال تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتعزيز قدرات التخزين الاستراتيجي.

ويُنظر إلى تنويع مصادر الطاقة وتوسيع الاعتماد على الإنتاج المحلي من الطاقات المتجددة باعتباره أحد المسارات التي يمكن أن تقلل من حساسية الاقتصاد الوطني تجاه صدمات الأسعار الخارجية.

كما يبرز تعزيز المخزون الاستراتيجي للمواد البترولية كإجراء يمكن أن يساعد على تحسين قدرة البلاد على مواجهة اضطرابات الإمدادات الدولية.

وبين ارتفاع أسعار النفط واستمرار التوترات الجيوسياسية، تواجه المالية المغربية خلال سنة 2026 تحدياً يرتبط بمدى قدرة الاقتصاد على امتصاص كلفة الطاقة المرتفعة دون انعكاسات كبيرة على التوازنات الخارجية والمالية العمومية والقدرة الشرائية، في وقت يظل فيه تنويع مصادر الطاقة وتسريع الانتقال الطاقي من أبرز الخيارات المطروحة لتقليص التعرض للصدمات الخارجية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.