البرلمان المغربي الجديد أمام أجندة تشريعية ثقيلة.. مدونة الأسرة والقانون الجنائي والحريات في الواجهة

م.ب

 

يستعد البرلمان المغربي الجديد للدخول في مرحلة تشريعية مهمة، تضع عدداً من النصوص القانونية العالقة أمام اختبار جديد، في مقدمتها مراجعة مدونة الأسرة، وإصلاح القانون الجنائي، إلى جانب ملفات مرتبطة بالحريات الفردية وحماية المعطيات الشخصية وتحديث منظومة العدالة.

وتأتي هذه المرحلة عقب الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026، بالتزامن مع افتتاح السنة التشريعية الجديدة خلال الجلسة التي يترأسها الملك محمد السادس يوم الجمعة 9 أكتوبر. ومن المرتقب أن تتجه الأنظار إلى أولويات الأغلبية الحكومية المقبلة، ومدى قدرتها على استئناف مناقشة مشاريع القوانين التي ظلت تنتظر استكمال المسار الحكومي والتشريعي.

 

  • مدونة الأسرة.. ورش ينتظر الحسم

تتصدر مراجعة مدونة الأسرة قائمة الملفات المطروحة للنقاش، بالنظر إلى ما يثيره هذا الورش من نقاش مجتمعي وقانوني واسع. ويأتي ذلك في سياق إعداد مقترحات تهدف إلى تطوير عدد من المقتضيات المرتبطة بالزواج والطلاق والولاية القانونية، بما يستجيب للتحولات الاجتماعية ويعالج الإشكالات التي أفرزها تطبيق النص الحالي.

وتتضمن المقترحات المطروحة رفع سن الزواج إلى 18 سنة، مع بحث استثناء منظم في سن 17 سنة، إلى جانب مراجعة بعض القواعد المتعلقة بالولاية القانونية المشتركة، والعمل على تقليص آجال البت في قضايا الطلاق إلى ستة أشهر. ويُنتظر أن تشكل هذه النقاط جزءاً من النقاش التشريعي المرتقب، في ضوء المقترحات المقدمة خلال مسار مراجعة المدونة، الذي شمل 139 مقترحاً وفق المعطيات الواردة في الملف.

 

  • القانون الجنائي.. توازن بين الردع والحقوق

ويبرز القانون الجنائي بدوره ضمن أبرز الأوراش التي تنتظر استكمال النقاش، بعدما خضع مشروعه لمراحل متعددة من الدراسة والتداول. ويطرح هذا الملف أسئلة تتعلق بتطوير السياسة الجنائية، وتحديد المسؤوليات والعقوبات، فضلاً عن كيفية تحقيق التوازن بين حماية الأفراد وصون الحريات.

ومن بين المقتضيات التي أثارت النقاش، تلك المرتبطة بالأخبار الزائفة والتصوير دون موافقة المعنيين، وما قد يترتب عنه من مسؤولية قانونية أو تعويض. ويظل التحدي المطروح أمام المشرّع هو وضع قواعد واضحة تحمي الكرامة والحياة الخاصة، دون المساس بالضمانات المرتبطة بحرية التعبير والعمل الصحفي.

 

350 * 350
  • إصلاحات قضائية ورقمنة المعاملات

ولا تقتصر الملفات المنتظرة على مدونة الأسرة والقانون الجنائي، إذ تشمل أيضاً نصوصاً تهم تحديث منظومة العدالة وتنظيم عدد من المهن القانونية والقضائية، من بينها مهنة المحاماة والتوثيق والعدول والخبرة القضائية.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بمهنة المحاماة ضمن النصوص التي ينتظر أن تستكمل مسارها التشريعي، في وقت تعرف فيه العلاقة بين المحامين والجهات المعنية توتراً بسبب الخلافات المهنية والإضراب الذي انطلق منذ منتصف يونيو، وفق المعطيات المتداولة بشأن الملف. كما تظل النصوص التطبيقية المرتبطة ببعض المهن القضائية من بين الملفات التي تتطلب الحسم والتنزيل.

وتشمل الأجندة كذلك مقتضيات مرتبطة بالجرائم الرقمية وحماية الحياة الخاصة، فضلاً عن مراجعة قوانين تهم الالتزامات والعقود والمعاملات التجارية، بما يواكب التحولات التي تعرفها البيئة الاقتصادية والرقمية.

 

  • الشيكات والمعاملات التجارية

وفي المجال التجاري، يشكل القانون رقم 71.24، الذي صودق عليه في يناير 2026 والمتعلق بمقتضيات تخص الشيكات بدون مؤونة، أحد النصوص التي دخلت مسار التحديث القانوني. غير أن الأجندة المقبلة تظل مفتوحة أمام مقتضيات أخرى تهم تنظيم المعاملات التجارية وتطوير الإطار القانوني المنظم لها.

كما يبرز مشروع إحداث بنك وطني للبصمات الجينية ضمن الملفات التي تستدعي نقاشاً دقيقاً، بالنظر إلى ما يرتبط به من اعتبارات قانونية وأمنية، فضلاً عن ضرورة ضمان حماية المعطيات الشخصية واحترام الضوابط المؤطرة لاستعمالها.

 

  • الحكومة المقبلة أمام اختبار تشريعي

وتتوقف وتيرة التقدم في هذه الملفات على تشكل الحكومة الجديدة وتحديد أولوياتها، فضلاً عن قدرة الفرق البرلمانية على التوافق بشأن النصوص المعروضة للنقاش. كما ستتطلب بعض المشاريع نقاشاً معمقاً داخل اللجان البرلمانية، بالنظر إلى تأثيرها المباشر في الحياة الأسرية والحقوق الفردية وسير العدالة والمعاملات الاقتصادية.

وبذلك، يدخل البرلمان الجديد مرحلة تتجاوز استكمال الإجراءات التشريعية العادية، لتطرح أمامه ملفات ذات أثر مباشر في المجتمع والمؤسسات. وسيكون الرهان الأساسي هو إخراج نصوص قانونية واضحة وقابلة للتطبيق، مع ضمان التوازن بين متطلبات الإصلاح وحماية الحقوق والحريات.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.