الحجز في المنبع يتوسع مطلع 2027.. مخاوف من تأثيره على سيولة المقاولات المغربية

م.ب

تستعد المديرية العامة للضرائب لتوسيع نطاق تطبيق آلية الحجز في المنبع برسم الضريبة على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، ابتداءً من فاتح يناير 2027، لتشمل مقاولات يبلغ رقم معاملاتها السنوي، دون احتساب الرسوم، 350 مليون درهم على الأقل، في خطوة ترمي إلى تعزيز مراقبة المعاملات بين الشركات وتأمين تحصيل المستحقات الجبائية.

 

ويأتي هذا التوسع في إطار التنزيل التدريجي للمقتضيات التي أقرها قانون المالية لسنة 2026، غير أنه يثير تساؤلات داخل الأوساط المهنية بشأن انعكاساته المحتملة على التدفقات النقدية للمقاولات المقدمة للخدمات، خاصة تلك التي تعتمد على زبائن كبار أو تواجه صعوبات في استرجاع أرصدة الضريبة على القيمة المضافة.

 

توسيع تدريجي لنطاق الاقتطاع

وينص الجدول الزمني المعتمد على دخول المرحلة الأولى حيز التنفيذ في فاتح يوليوز 2026، وشملت مؤسسات الائتمان والهيئات المماثلة وشركات التأمين وإعادة التأمين، إلى جانب المقاولات التي يبلغ رقم معاملاتها دون احتساب الرسوم 500 مليون درهم على الأقل.

 

ومن المرتقب أن تنخفض عتبة الخضوع إلى 350 مليون درهم ابتداءً من فاتح يناير 2027، قبل أن تتراجع إلى 200 مليون درهم في فاتح يناير 2028، بما يوسع تدريجياً قاعدة المقاولات الملزمة بالاقتطاع لفائدة الخزينة.

 

وتقوم الآلية على إلزام الزبائن المعنيين باقتطاع مبالغ محددة من مستحقات مقدمي الخدمات عند أداء الفواتير، ثم تحويلها إلى الإدارة الجبائية داخل الآجال القانونية، بدل انتظار أداء المورد للضرائب المستحقة عليه في إطار التصريحات اللاحقة.

 

ولا يتعلق الأمر بإحداث ضريبة جديدة أو رفع المعدلات الجبائية، وإنما بتغيير طريقة تحصيل جزء من المستحقات الضريبية، مع تحميل المقاولات الملزمة بالاقتطاع مسؤوليات إضافية في التصريح والتحويل وتتبع العمليات.

 

اقتطاعات تصل إلى 5 في المائة من مستحقات الخدمات

وبموجب المقتضيات المعتمدة، تصل نسبة الاقتطاع برسم الضريبة على الشركات إلى 5 في المائة من المبالغ المؤداة، دون احتساب الضريبة على القيمة المضافة، وذلك بالنسبة إلى الأتعاب والعمولات والسمسرة والمكافآت المماثلة المشمولة بالنظام.

 

أما في ما يتعلق بالضريبة على القيمة المضافة، فتبلغ نسبة الحجز 75 في المائة من مبلغ الضريبة المفوترة عند تقديم المورد شهادة تثبت انتظام وضعيته الجبائية، لا يتجاوز تاريخ إصدارها ستة أشهر، وترتفع إلى 100 في المائة في حال عدم تقديم هذه الوثيقة، وذلك بالنسبة إلى الخدمات الخاضعة للمقتضيات القانونية المعنية.

 

وتستثنى من الحجز العمليات التي لا يتجاوز مبلغها 5 آلاف درهم، دون احتساب الرسوم، في حدود سقف شهري يبلغ 50 ألف درهم لكل مورد، وفق الشروط المحددة قانوناً.

 

ويمكن توضيح الأثر المالي لهذه الآلية من خلال فاتورة خدمة استشارية بقيمة 100 ألف درهم دون احتساب الرسوم، تضاف إليها ضريبة على القيمة المضافة بنسبة 20 في المائة، أي ما مجموعه 120 ألف درهم. ففي حال توفر شهادة الانتظام الجبائي، يقتطع الزبون 5 آلاف درهم برسم الضريبة على الشركات و15 ألف درهم من الضريبة على القيمة المضافة، ليصل المبلغ الذي يتسلمه المورد إلى 100 ألف درهم.

أما في غياب الشهادة، فيرتفع اقتطاع الضريبة على القيمة المضافة إلى 20 ألف درهم، ليبلغ مجموع الاقتطاعات 25 ألف درهم، ويتراجع المبلغ الذي يتوصل به المورد إلى 95 ألف درهم.

350 * 350

وفي هذا السياق، أوضح محمد أمين بنرحمون، خبير محاسب متخصص في السياسات الضريبية، أن توسيع الحجز في المنبع يعكس توجهاً نحو نقل جزء من مسؤولية التحصيل الجبائي إلى المقاولات الكبرى، بالنظر إلى إمكاناتها التنظيمية والمحاسبية، بما يسمح بتأمين أداء المستحقات المرتبطة بمعاملات الشركات مباشرة عند تسوية الفواتير.

وأكد أن نجاح هذه الآلية يقتضي توضيح نطاق الخدمات المعنية، وضمان التتبع الدقيق للمبالغ المحولة إلى الخزينة، تفادياً لأي ازدواج في الأداء، مع احتساب الاقتطاعات ضمن الالتزامات الضريبية النهائية للمقاولات المستفيدة من الخدمات.

كما نبه إلى ضرورة مواكبة المقاولات المعنية على مستوى الأنظمة المعلوماتية والمحاسبية، بالنظر إلى المسؤوليات الجديدة المرتبطة بالاقتطاع والتصريح والأداء، وما قد يترتب عن الإخلال بها من تبعات مالية وإدارية.

السيولة واسترجاع الضريبة في صلب النقاش

في المقابل، تبرز المخاوف المهنية أساساً بشأن تأثير الاقتطاعات على السيولة المتاحة للمقاولات المقدمة للخدمات، خصوصاً أن هذه الأخيرة تظل مطالبة بتغطية الأجور والمشتريات ومصاريف التشغيل والالتزامات اليومية، رغم أن جزءاً من مستحقاتها المالية لن يدخل مباشرة إلى حساباتها البنكية.

 

وتزداد حساسية هذا الجانب لدى المقاولات التي تتعامل مع مؤسسات عمومية وشركات كبرى، أو تعتمد على آجال أداء طويلة، إذ قد يؤدي تراكم المبالغ المقتطعة إلى ارتفاع أرصدة الضريبة على القيمة المضافة القابلة للاسترداد، بما يزيد حاجتها إلى التمويل قصير الأجل.

 

واعتبر إبراهيم أسوار، خبير محاسب ومستشار ضريبي، أن الحجز في المنبع قد يشكل ضغطاً على التدفقات النقدية للمقاولات التي تقدم خدماتها لعدد محدود من الزبائن الكبار، موضحاً أن تقليص المبالغ المحصلة فعلياً عند تسوية الفواتير، مقابل استمرار الالتزامات التشغيلية، يمكن أن يرفع حاجيات التمويل لدى بعض الفاعلين الاقتصاديين.

 

وأضاف أن حجم التأثير يختلف بحسب طبيعة النشاط والمصاريف الخاضعة للضريبة، مشيراً إلى أن المقاولات التي تسجل أرصدة دائنة متكررة قد تواجه صعوبات إضافية عندما تتأخر عمليات استرجاع المبالغ المقتطعة.

وشدد أسوار على أهمية المعالجة المحاسبية الدقيقة للاقتطاعات ومطابقتها مع التصريحات الدورية، حتى لا تتسبب الأخطاء في تأخير عمليات الخصم أو الاسترداد، وما قد يرافق ذلك من ضغط إضافي على الوضعية المالية للموردين.

 

مشروع مالية 2027 يقترح تبسيط الاسترداد

وفي محاولة لمعالجة جانب من هذه الإشكالية، يتضمن مشروع قانون المالية لسنة 2027 مقترحاً يرمي إلى تبسيط آلية استرجاع الضريبة على القيمة المضافة المحجوزة في المنبع، من خلال اعتبار المبالغ التي اقتطعها الزبون وحولها إلى الخزينة بمثابة أداء تم لحساب المورد.

 

وبموجب هذا المقترح، سيتمكن المورد من خصم المبالغ المحجوزة من الضريبة على القيمة المضافة المستحقة عليه خلال الفترة المعنية، على أن يصبح الفائض الناتج عن تجاوز الاقتطاعات للضريبة الواجبة الأداء قابلاً للاسترداد، بناءً على طلب وفق نموذج تعده الإدارة الجبائية.

 

ومن شأن هذا التوجه، في حال المصادقة عليه، أن يخفف بعض التعقيدات المرتبطة باسترجاع الأرصدة الناتجة عن الحجز في المنبع، غير أن فعاليته ستظل مرتبطة بسرعة معالجة طلبات الاسترداد ووضوح الإجراءات المعتمدة.

وتتجه الأنظار، بالتالي، إلى كيفية تنزيل المرحلة الجديدة من الإصلاح ابتداءً من يناير المقبل، في ظل مطالبة المهنيين بتحقيق التوازن بين تعزيز الامتثال والتحصيل الضريبي من جهة، والحفاظ على السيولة واستقرار المعاملات التجارية وتمويل أنشطة المقاولات من جهة أخرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.