كان يفترض لنهائي كأس أمم إفريقيا بين المغرب والسنغال أن يظل في حدوده الطبيعية كحدث رياضي تحسمه المهارة والتحكيم، لا أن ينزلق إلى فضاءات التوتر والغضب الجماعي. فالمدرجات والميادين وُجدت للمنافسة، لا لاستدعاء الأحقاد أو تصفية الحسابات خارج منطق اللعبة.
اللافت في هذه اللحظة الحساسة هو طريقة تعاطي المغرب، رسميًا وشعبيًا، مع ما رافق الحدث من سلوكات معزولة. لم تنجرّ البلاد إلى ردود فعل متسرعة، ولم تُفتح أبواب التصعيد أو المزايدات الشعبوية، كما لم يُسمح بتحويل واقعة شغب محدودة إلى أزمة سياسية أو شرخ اجتماعي. هذا التعاطي الهادئ ليس وليد اللحظة، بل يعكس خبرة دولة راكمت تقاليد في تدبير الاختلاف واحتواء التوتر.
غير أن ما يستوجب وقفة حازمة هو الأصوات التي دعت إلى استهداف الأفارقة أو “المعاملة بالمثل”. هذه الدعوات لا تفتقر فقط إلى الحس الأخلاقي، بل تحمل في طياتها مخاطر جسيمة على صورة المغرب ومكانته ومصالحه بعيدة المدى. فالانفعال العابر لا يمكن أن يكون أساسًا لرسم سياسات أو مواقف مجتمعية.

المغرب لا ينظر إلى إفريقيا كامتداد ظرفي أو ورقة مناسبات، بل كفضاء استراتيجي راسخ. حضوره في القارة يقوم على شراكات اقتصادية، وتعاون جنوب–جنوب، واستثمارات، وتبادل ديني وثقافي وإنساني، وهي علاقات أعمق وأبقى من نتيجة مباراة، مهما كان وزنها الرمزي.
كما أن الواقع الميداني داخل المغرب يكشف زيف هذه الدعوات الإقصائية. فآلاف الأفارقة باتوا جزءًا من النسيج اليومي للمدن المغربية، من الرباط إلى الدار البيضاء، ومن طنجة إلى فاس وتطوان. لم يعودوا مجرد عابرين أو مقيمين مؤقتين، بل عناصر حية في الفضاء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.
وقد كرّس المغرب، عبر اختياراته الرسمية ومساره الحضاري، صورة بلد يقوم على التعايش والانفتاح، لا كشعار يُرفع عند الحاجة، بل كممارسة تُختبر بالأساس في لحظات الشدّة والاحتقان.
وفي المقابل، فإن رفض الكراهية لا يعني تمييع المسؤولية. فالشغب مرفوض، وكل اعتداء أو تحريض يجب أن يواجه بالقانون دون انتقائية. ومن واجب السلطات — كما أكدت — أن تتعامل بصرامة مع كل خطاب يستهدف الأفارقة، وبالحزم نفسه مع أي سلوك يخلّ بالأمن والنظام العام، بصرف النظر عن هوية مرتكبيه. فسيادة القانون وحدها كفيلة بحماية المجتمع من الانزلاق، وصون صورة المغرب كدولة توازن بين الحزم والحكمة.