في ظل التحولات المناخية المتسارعة وتزايد الضغط على الموارد الطبيعية، يجد المغرب نفسه أمام تحديات مركبة تتعلق بضمان الأمنين المائي والغذائي. هذه الوضعية، التي لا تقتصر عليه وحده، دفعت البنك الدولي إلى التأكيد على ضرورة تبني حلول مبتكرة، من بينها تطوير “خدمات مائية” ذكية وتعزيز وصول الفلاحين الصغار إلى تقنيات الري الحديثة.
ويبرز تقرير “التغذية والازدهار: حلول مائية لإطعام 10 مليارات نسمة على كوكب صالح للعيش” أن مستقبل الزراعة، سواء في المغرب أو على الصعيد العالمي، يظل رهينا بكيفية تدبير الموارد المائية، خاصة مع توقع بلوغ عدد سكان العالم نحو 10 مليارات نسمة بحلول سنة 2050.
– إجهاد مائي متفاقم واختلال في التوزيع
يصنف المغرب ضمن الدول التي تعاني من ضغط مائي متزايد، نتيجة توالي سنوات الجفاف وتذبذب التساقطات. غير أن الإشكال لا يرتبط فقط بندرة المياه، بل أيضا بسوء توزيعها بين الجهات والقطاعات، وهو ما يعمق الفوارق المجالية في الاستفادة من هذه الموارد الحيوية.
وتظل الزراعة المغربية، المعتمدة بدرجة كبيرة على الأمطار، عرضة لتقلبات المناخ، في وقت يتطلب فيه توسيع استخدام المياه السطحية والجوفية تحقيق توازن دقيق بين الاستغلال والحفاظ على الموارد.
– تمويل الابتكار وتقنيات موفرة للمياه
يشير التقرير إلى أن المغرب بدأ في اعتماد آليات مبتكرة لتقليل مخاطر تمويل الاستثمارات المرتبطة بالري والطاقة الشمسية داخل الضيعات الفلاحية، ما يفتح المجال أمام تعميم تقنيات أكثر نجاعة واستدامة.

كما يواكب النظام البنكي هذا التوجه عبر توفير قروض موجهة للفلاحين لتحديث أنظمة الري، خاصة الري الموضعي، وتعويض التقنيات التقليدية المعتمدة على الوقود بحلول نظيفة تساهم في تقليص الانبعاثات. ومن المرتقب أن يستفيد عشرات الآلاف من الفلاحين من هذه الدينامية في أفق السنوات القليلة المقبلة.
– الري الحديث رافعة للإنتاج والتنمية
يمثل تعميم أنظمة الري الحديثة فرصة حقيقية لرفع الإنتاجية الزراعية والحد من مخاطر الجفاف، إذ يسمح بتحسين مردودية المحاصيل وضمان استقرار الإنتاج. وبالنسبة للمغرب، الذي راكم تجربة مهمة في بناء السدود وتطوير شبكات الري، فإن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال نحو تدبير ذكي للمياه قائم على التكنولوجيا والبيانات، مثل الاستشعار عن بعد والذكاء الاصطناعي.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على الإنتاج فقط، بل يمتد إلى تحفيز الاقتصاد القروي، عبر خلق فرص الشغل، وتحسين دخل الفلاحين، وتعزيز سلاسل القيمة الفلاحية، خصوصا في الزراعات ذات القيمة المضافة.
– الفلاح الصغير في قلب التحول
يشدد التقرير على ضرورة إعادة توجيه السياسات العمومية نحو استثمارات أكثر فعالية في تدبير المياه، مع تقليص الاعتماد على أشكال الدعم التقليدية غير المستدامة، وتشجيع انخراط القطاع الخاص في تمويل مشاريع الري.
كما يبرز أهمية تمكين الفلاحين الصغار، الذين يشكلون النسبة الأكبر من المنتجين عالميا، من لعب دور محوري في تحديث القطاع، عبر ما يعرف بـ”الري بقيادة الفلاحين”، وهو نموذج يضعهم في صلب عملية اتخاذ القرار والاستثمار.
هذا التوجه، القائم على توفير التقنيات الحديثة وإشراك الفلاحين في تدبير وصيانة الشبكات، يمثل فرصة استراتيجية للمغرب لتعزيز نجاعته المائية، وتحقيق أمنه الغذائي، والتكيف مع تحديات المناخ في آن واحد.