ارحموا تطوان.. كفى وعودا كاذبة وشباب المدينة يموت في البحر أمام أعينكم

م. المغربي

منذ سنوات وتطوان تعيش مفارقة غريبة لا يفهمها إلا من يعرف خبايا السياسة في الشمال، فهي مدينة أنجبت سياسيين كبار وصلوا إلى أعلى هرم القرار في الرباط، لكنها في نفس الوقت مدينة تغرق يوما بعد يوم في الكساد والبطالة وانسداد الأفق، والمشهد الذي عاشته سواحل الفنيدق وبليونش الأسبوع الماضي حين حاول العشرات من شباب تطوان والمدن المجاورة العبور سباحة نحو ثغر سبتة المحتلة ليس إلا حلقة جديدة من مسلسل طويل من اليأس، وهو مشهد يعري بشكل كامل ضعف دور النخبة السياسية التي تمثل المدينة.

فحين نتحدث عن تطوان لا يمكن أن نقفز على اسم رشيد الطالبي العلمي الذي أنجبته تطوان وأصبح رئيسا لمجلس النواب، والوزير السابق ورئيس جماعة تطوان الأسبق ورئيس جهة طنجة تطوان سابقا، وهو رجل يملك من التجربة والعلاقات والوزن السياسي ما يؤهله لأن يكون صوت تطوان القوي داخل الحكومة، لكن المواطن التطواني البسيط وهو يرى مدينته بدون منطقة صناعية حقيقية وبدون مشاريع كبرى تمتص بطالة الشباب يطرح سؤالا مشروعا عن أثر هذا الثقل السياسي على أرض الواقع، فتطوان التي كان يفترض أن تستفيد من وجود أحد رجالها على رأس المؤسسة التشريعية ظلت خارج حسابات التنمية الكبرى التي استفادت منها طنجة بشكل كبير، والمشاريع التي جاءت للمدينة بقيت محدودة وذات طابع تجميلي أكثر منها مشاريع منتجة لمناصب الشغل القار.

هذا الضعف لا يتحمله شخص واحد بطبيعة الحال، بل هو ضعف جماعي لنخبة سياسية كاملة تمثل تطوان في البرلمان والجهة والجماعة والإقليم، فالمتتبع للشأن المحلي يلاحظ غيابا تاما لما يسمى بالترافع الجماعي، ففي مدن أخرى نرى برلمانيي المدينة يجتمعون على طاولة واحدة ويضغطون ككتلة واحدة لانتزاع مصنع أو جامعة أو مستشفى، أما في تطوان فالصورة معكوسة تماما، صراعات حزبية ضيقة وحسابات انتخابية صغيرة عطلت مصالح المدينة لسنوات، والمجلس الجماعي نفسه ظل لفترات طويلة رهين البلوكاج وتبادل الاتهامات، والنتيجة أن ملفات حيوية مثل جلب الاستثمار بقيت تراوح مكانها، والشباب الذي يمثل مستقبل المدينة وجد نفسه خارج كل هذه الحسابات.

350 * 350

الواقع أن تطوان دفعت ثمنا باهظا بعد قرار إغلاق معبر سبتة أمام التهريب المعيشي، وهو قرار سيادي كان ضروريا لكنه لم يواكب بخطة إنقاذ اقتصادية حقيقية للمدينة، فآلاف الأسر التي كانت تعيش من التهريب وجدت نفسها بين عشية وضحاها بلا بديل، والوعود التي قيلت عن المنطقة الاقتصادية للفنيدق وتطوان بارك ظلت أقل بكثير من حجم الكارثة الاجتماعية، فالمصانع التي أحدثت هناك لا تشغل إلا أعدادا قليلة وبأجور هزيلة، بينما الحاجة الحقيقية هي لمنطقة صناعية كبرى قادرة على تشغيل الآلاف وتعويض المدينة عن سنوات الاعتماد على الاقتصاد غير المهيكل، وهذا هو بالضبط دور السياسي المنتخب أن يترافع ويضغط ويجلب، وهو ما لم يحدث.

وقد سبق لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله أن نبه لهذا الخلل البنيوي في خطابه الشهير حين قال بأن المغرب يسير بسرعتين، سرعة للمغرب الذي يستفيد من المشاريع الكبرى والبنية التحتية والاستثمار، وسرعة لمغرب آخر مهمش لا يستفيد من ثمار التنمية، ودعا جلالته في أكثر من مناسبة الطبقة السياسية إلى تحمل مسؤوليتها والقيام بواجبها في تأطير المواطنين والإنصات لانشغالات الشباب وإيجاد حلول حقيقية لمشاكلهم بدل الاكتفاء بالخطابات، وهي رسالة ملكية واضحة تعني أن عمل السياسيين يجب أن ينصب على إنصاف الشباب وإخراجهم من مستنقع البطالة واليأس عبر مشاريع واقعية تحفظ كرامتهم بدل تركهم فريسة لقوارب الموت والسباحة نحو المجهول.

فاليوم حين ترى مراهقا عمره ستة عشر عاما من حي كويلما أو من مرتيل أو من الفنيدق يحاول رمي نفسه في البحر البارد متجها نحو سبتة فاعلم أن كل الخطب السياسية سقطت، وأن كل المهرجانات والندوات لم تعد تقنع أحدا، فالشاب لا يريد سماع كلمة عن حصيلة إيجابية، بل يريد عقد عمل يحفظ كرامته، ولا يريد صورة مع مسؤول، بل يريد مصنعا يشتغل فيه، واستمرار نفس الوجوه بنفس الخطاب لعقدين من الزمن أعطى انطباعا لدى الساكنة بأن السياسة في تطوان أصبحت مهنة للتموقع وليست وسيلة لخدمة المدينة، وأن التمثيلية أصبحت عنوانا للوجاهة الاجتماعية أكثر منها تكليفا ومسؤولية عن مصير مدينة بكاملها تعيش اليوم على وقع الكساد بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.