مزور يفجر ملف «باك صاحبي» ويكشف خطة «الاستقلال» لمواجهة الغلاء والوسطاء والريع
م.ب
الرباط – في وقت تتصدر فيه القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار واستعادة الثقة في المؤسسات النقاش العمومي بالمغرب، اختار رياض مزور، عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال ووزير الصناعة والتجارة، رفع سقف الخطاب السياسي لحزبه، معلناً التوجه نحو مواجهة تضارب المصالح ومنطق «باك صاحبي»، إلى جانب مقترحات تستهدف ضبط الأسواق والحد من نفوذ الوسطاء وتعزيز قدرة الدولة على التدخل لحماية المستهلك.
وخلال لقاء نظمته رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين بالدار البيضاء، قال مزور إن حزب الاستقلال سيعمل، في حال قيادته للحكومة المقبلة، على تنزيل قانون خاص بتضارب المصالح، معتبراً أن غياب إطار قانوني واضح في هذا المجال ظل أحد الملفات التي لم يتمكن الحزب من تمريرها خلال الولاية الحكومية الحالية.
ويضع هذا التصريح مسألة تضارب المصالح في صلب النقاش حول الحكامة الاقتصادية والسياسية، خصوصاً أن مزور ربطها مباشرة بما وصفه بمنطق «باك صاحبي»، معتبراً أن استمرار هذا المنطق يساهم في إضعاف الثقة ويؤثر على وتيرة التنمية.
- من «باك صاحبي» إلى تضارب المصالح
مزور شدد على أن طرح حزبه لا يتعلق بمجرد توزيع الأدوار بين المعارضة والأغلبية، وإنما بإرساء قواعد واضحة تمنع تضارب المصالح وتحد من تأثير العلاقات الشخصية على تدبير الشأن العام.
ويأتي هذا الموقف في سياق خطاب أوسع لحزب الاستقلال حول ترسيخ قاعدة الاستحقاق واستعادة الثقة، وهي مضامين سبق أن أكد عليها الأمين العام للحزب نزار بركة في لقاءات انتخابية حديثة، حيث جعل خدمة المواطن وتوزيع الثروة والإنصاف المجالي من بين مرتكزات المشروع الذي يقدمه الحزب للناخبين.
- القدرة الشرائية.. مقترح شركات جهوية لكسر نفوذ الوسطاء
وفي الملف الأكثر ارتباطاً بالحياة اليومية للمغاربة، قدم مزور تصوراً يقوم على إحداث شركات جهوية للتعامل مع الاختلالات التي يقول الحزب إنها تعرفها سلاسل الإنتاج والتوزيع، خصوصاً في القطاع الغذائي.
وبحسب الوزير، فإن بعض الوسطاء يتمتعون بقدرة كبيرة على التحكم في مراحل من السلسلة الغذائية، بما يؤثر في السعر النهائي الذي يصل إلى المستهلك. ومن هذا المنطلق، يقترح الحزب تدخلاً منظماً للدولة عبر شركات جهوية ودعم مشروط، بهدف الحد من الاختلالات وضمان حماية القدرة الشرائية.
ولا يأتي هذا الطرح منفصلاً عن مواقف سابقة لقيادة حزب الاستقلال؛ فقد دعا نزار بركة بدوره إلى إحداث آليات جهوية لتوزيع المنتجات الفلاحية، مبرراً ذلك بالرغبة في تقليص عدد الوسطاء والحد من المضاربة وتقليص الفارق بين السعر الذي يحصل عليه المنتج والسعر الذي يؤديه المستهلك.
- الدولة تعود إلى واجهة تنظيم السوق
الرسالة الاقتصادية الأبرز في تصريحات مزور تتمثل في التأكيد على أن الدولة، وفق تصور الحزب، مطالبة بالتدخل عندما تؤدي ممارسات السوق إلى الإضرار بالقدرة الشرائية.
مزور ذهب أبعد من ذلك عندما تحدث عن مواجهة من يستخدمون رؤوس الأموال للتأثير في «قواعد اللعبة» داخل السوق، مؤكداً أن تدخل الدولة يجب أن يظل متاحاً عندما تكون حماية المستهلك والمنافسة السليمة على المحك.
وهذا الطرح يفتح عملياً نقاشاً حول الحدود الفاصلة بين حرية السوق والتدخل العمومي، وحول الأدوات التي يمكن للدولة استعمالها لضمان المنافسة ومنع الممارسات التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار.

- التخزين الطاقي.. الناظور غرب المتوسط في صلب الرؤية
وفي ملف الطاقة، ركز مزور على أهمية التخزين باعتباره عنصراً أساسياً في تعزيز أمن الإمدادات، داعياً إلى توفير البنيات والتجهيزات اللازمة حتى يصبح المغرب منصة إقليمية قادرة على استقطاب المنتجين العالميين.
وأشار في هذا السياق إلى الدور المنتظر لميناء الناظور غرب المتوسط في تعزيز قدرات التخزين على المدى الطويل، معتبراً أن تطوير هذه البنية التحتية يمكن أن يمنح المغرب موقعاً أكثر أهمية في المنطقة في مجال تخزين المواد الطاقية.
- الريع والفساد.. مواجهة من أجل الاستثمار
ولم يغفل المسؤول الاستقلالي ملف الريع والفساد، مؤكداً ضرورة مواجهة ما وصفه بوجود «مساندين» لهذه الممارسات.
ويربط مزور بين استمرار مظاهر الريع وبين مناخ الاستثمار، معتبراً أن معالجة هذه الاختلالات لا ترتبط فقط بالجانب الأخلاقي أو المؤسساتي، وإنما لها انعكاسات مباشرة على المستثمر وعلى تكافؤ الفرص داخل الاقتصاد.
وهنا يلتقي الخطاب السياسي مع مطلب أوسع يتعلق بخلق بيئة استثمارية تقوم على قواعد واضحة، وتقل فيها الامتيازات غير المرتبطة بالجدوى الاقتصادية أو التنافسية.
- التعليم الخصوصي.. مقترح ضريبي لفائدة الطبقة الوسطى
في قطاع التعليم، كشف مزور عن مقترح يهدف إلى وضع إطار قانوني خاص بتكلفة المسار الدراسي للتلاميذ في التعليم الخصوصي، مع اعتماد إعفاءات ضريبية لمساعدة الأسر، خصوصاً المنتمية إلى الطبقة الوسطى.
ويعكس هذا المقترح محاولة لمعالجة أحد بنود الإنفاق التي أصبحت تشكل ضغطاً على ميزانيات عدد من الأسر، في ظل استمرار النقاش حول تكلفة التعليم الخصوصي وحدود تدخل الدولة في تنظيم العلاقة بين الأسر والمؤسسات التعليمية.
- برنامج انتخابي يضع الأسعار والثقة في الواجهة
تكشف مجمل تصريحات مزور عن توجه يسعى حزب الاستقلال من خلاله إلى تقديم مجموعة من الحلول الاقتصادية والاجتماعية انطلاقاً من ملفات ترتبط مباشرة بالمواطن: الأسعار، القدرة الشرائية، التعليم، الاستثمار، الطاقة، ومحاربة الريع.
ويأتي ذلك بالتوازي مع تصريحات حديثة لنزار بركة، الذي جعل محاربة الغلاء ودعم القدرة الشرائية من بين الأولويات التي يطرحها الحزب، إلى جانب التشغيل والصحة والسكن والأمن الغذائي.
لكن تحويل هذه المقترحات من شعارات وبرامج إلى سياسات عمومية سيظل مرتبطاً بتفاصيل التنفيذ، ومصادر التمويل، والإطار القانوني والمؤسساتي، ومدى قدرة الآليات المقترحة على تحقيق الأهداف المعلنة دون خلق اختلالات جديدة في السوق.
وبذلك يضع حزب الاستقلال أمام الناخبين حزمة من الوعود والإجراءات التي تتمحور حول معادلة واضحة: استعادة الثقة، حماية القدرة الشرائية، وتشديد قواعد الحكامة والمنافسة، فيما تبقى فعالية هذه التصورات رهينة بما ستتضمنه البرامج الانتخابية النهائية من آليات دقيقة ومؤشرات قابلة للقياس والتنفيذ.