لم تعد أزمة الهجرة المرتبطة بمدينة سبتة المحتلة مجرد ملف أمني وإنساني بين ضفتي المتوسط، بعدما انتقلت إلى قلب التجاذبات السياسية في إسبانيا، وتحولت العلاقة مع المغرب إلى إحدى أبرز أوراق الصراع بين الحكومة المركزية والمعارضة.
ففي الوقت الذي يدافع فيه رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز عن التعاون مع الرباط باعتباره ضرورياً لأمن إسبانيا وإدارة ملف الهجرة، يرفع رئيس حكومة سبتة، خوان خيسوس فيفاس، المنتمي إلى الحزب الشعبي، سقف التصعيد، متهماً المغرب بالتقصير ومستخدماً عبارات شديدة اللهجة لوصف التطورات التي شهدتها المدينة.
- فيفاس يرفع سقف التصعيد
اختار فيفاس الظهور في برنامج «El Hormiguero» على قناة «Antena 3»، لعرض روايته بشأن أزمة الهجرة، متحدثاً عن وصول نحو 13 ألف شخص، بينهم قاصرون، إلى سبتة، ومستخدماً توصيفات مثل «الغزو» و«الهجوم الهجين».
ولم يكتف رئيس المدينة بانتقاد تدبير الأزمة، بل وجّه سهاماً مباشرة نحو المغرب، واصفاً إياه بـ«الشريك غير الموثوق»، في خطاب وضع قضية الهجرة في إطار أمني وسيادي شديد الحساسية.
لكن تصريحات فيفاس لم تستهدف الرباط وحدها، إذ تحولت في الوقت نفسه إلى هجوم على حكومة بيدرو سانشيز، التي اتهمها بالتردد والتقاعس والخشية من الدخول في مواجهة مع المغرب.
- المغرب يدخل على خط المعركة الحزبية
وراء التصعيد الظاهر ضد الرباط، تبدو معركة سياسية إسبانية داخلية أكثر وضوحاً.
فالحزب الشعبي يواجه منافسة متزايدة من حزب «فوكس»، الذي جعل الهجرة وأمن الحدود من أبرز محاور خطابه السياسي، ما يدفع اليمين الإسباني إلى رفع سقف مواقفه بشأن سبتة ومليلية والحدود مع المغرب.
وبهذا المعنى، أصبحت الهجرة ورقة انتخابية بامتياز، فيما تحوّل المغرب إلى طرف حاضر بقوة في خطاب سياسي يستهدف في جزء كبير منه الحكومة المركزية في مدريد.
- سانشيز يقدم رواية مغايرة
في المقابل، قدّم رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز، خلال ظهوره على قناة «La Sexta»، رواية مختلفة تماماً، رافضاً اختزال الأزمة في اتهام المغرب أو تقديمه باعتباره المسؤول الوحيد عن التطورات.
وأكد سانشيز أن معالجة ملف الهجرة تتطلب الجمع بين حماية الحدود، والتنسيق الأمني، ومكافحة شبكات التهريب، إلى جانب احترام الالتزامات القانونية والإنسانية.
والأكثر أهمية أن رئيس الحكومة الإسبانية تحدث عن الدور الذي لعبته السلطات المغربية خلال الأزمة، مشيراً إلى أنها أبلغت الجانب الإسباني بالتطورات، وتحركت أمنياً لمحاولة احتواء الوضع وتفادي وقوع كارثة، قبل أن تساهم في إعادة الجزء الأكبر من المهاجرين.
- شهادة من مدريد تضرب رواية «الشريك غير الموثوق»
هذه التصريحات تضع الخطاب السياسي لفيفاس أمام تناقض واضح.

ففي الوقت الذي يصف فيه رئيس سبتة المغرب بأنه شريك غير موثوق، يقر رئيس الحكومة الإسبانية بوجود تنسيق وتعاون ميداني بين البلدين في واحدة من أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى مدريد.
وهنا يظهر الفارق بين إدارة أزمة حدودية معقدة وبين استخدامها في المعركة السياسية الداخلية.
فالهجرة إلى سبتة لا ترتبط بعامل واحد، وإنما تتداخل فيها شبكات التهريب، والفوارق الاقتصادية، وحملات التضليل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى عوامل إقليمية وأمنية متغيرة.
- سانشيز يرفض تحويل المغرب إلى «كبش فداء»
وفي مواجهة الانتقادات، حاول سانشيز إعادة النقاش إلى المصالح الاستراتيجية لإسبانيا، مؤكداً أن العلاقات مع المغرب تمثل ضرورة بالنسبة إلى مدريد.
وتشمل هذه العلاقة ملفات شديدة الحساسية، من مكافحة الهجرة غير النظامية والاتجار بالبشر، إلى التعاون الأمني وحماية الحدود والتنسيق في منطقة غرب المتوسط.
كما رفض سانشيز ما وصفه بسيناريوهات المؤامرة والاتهامات السياسية التي تربط علاقاته مع الرباط بملفات أخرى، معتبراً أن جزءاً من هذه الاتهامات يدخل في إطار محاولة استهدافه سياسياً.
- سبتة بين الجغرافيا وحسابات الانتخابات
المفارقة أن سبتة نفسها لا تستطيع الانفصال عن واقعها الجغرافي والاقتصادي والأمني المرتبط بالمغرب.
فمهما ارتفع سقف الخطاب السياسي، تظل المدينة جزءاً من منظومة حدودية تحتاج إلى التنسيق والتواصل بين مدريد والرباط، خصوصاً في ملفات الهجرة والأمن ومكافحة شبكات الاتجار.
وهذا ما يجعل تحويل العلاقة مع المغرب إلى مادة للمزايدة السياسية أكثر تعقيداً على أرض الواقع مما تبدو عليه في الاستوديوهات التلفزيونية.
- صراع إسباني.. والمغرب في الواجهة
وتكشف المواجهة بين فيفاس وسانشيز أن أزمة سبتة تجاوزت حدودها المحلية لتصبح جزءاً من صراع أوسع داخل اليمين واليسار الإسبانيين.
فبينما يراهن خطاب فيفاس على مفردات مثل «الغزو» و«الهجوم» لتعبئة الرأي العام والضغط على الحكومة المركزية، يتمسك سانشيز بمنطق الشراكة والتنسيق مع الرباط، باعتبارهما عنصرين أساسيين في حماية المصالح الإسبانية.
وفي خضم هذه المواجهة، يجد المغرب نفسه مرة أخرى في قلب سجال سياسي إسباني، رغم أن جزءاً كبيراً من المعركة لا يدور حول الرباط بقدر ما يدور حول سانشيز ومستقبل الحكومة الإسبانية وصراع اليمين على الناخبين.
وتبدو سبتة، في نهاية المطاف، أكثر من مجرد نقطة حدودية في هذا الصراع؛ فقد تحولت إلى منصة سياسية تستخدم فيها الهجرة والعلاقة مع المغرب كأدوات للضغط والمواجهة، في معركة تتجاوز تدبير الحدود لتصل مباشرة إلى قلب المشهد الانتخابي الإسباني.