تطوان
مرة أخرى يعود اسم إسحاق شارية، الأمين العام للحزب المغربي الحر، ليتصدر النقاش المحلي بمدينة تطوان، ليس من بوابة مشروع تنموي يفك العزلة عن مطارها، ولا من خلال مبادرة تشريعية تنصف شبابها، بل عبر تدوينة جديدة وسجال جديد وخصومة جديدة، وكأن العمل السياسي اختزل في إدارة صفحات الفايسبوك.
المتتبع للمشهد التطواني يعيش اليوم بين مطرقتين، مطرقة الإقصاء التنموي الذي تعاني منه المدينة لسنوات، وسندان شعبوية رقمية لا تقدم بديلا. فمن جهة، حضور رقمي مكثف لشارية، بث مباشر لا ينقطع، وتعليق على كل صغيرة وكبيرة، ومن جهة أخرى، فراغ مهول على مستوى الفعل المقترح، لا وثيقة برنامج محلي، لا أرقام، لا آجال، لا التزامات قابلة للمحاسبة.
وهنا وجب التذكير بالمرجعيتين الحاسمتين. أولا، التوجيه الملكي السامي الذي وضع حدا لهذا النوع من الممارسات. جلالة الملك محمد السادس قالها بوضوح في خطاب العرش 2022: “إن ما ندعو إليه، ليس شعارا فارغا، أو مجرد قيمة صورية. وإنما هو مفهوم متكامل، يشمل مجموعة من المبادئ العملية والقيم الإنسانية. فكلما كانت الجدية حافزنا، كلما نجحنا في تجاوز الصعوبات، ورفع التحديات”، قبل أن يختم بالمعيار الذهبي: “الجدية يجب أن تظل مذهبنا في الحياة والعمل، وأن تشمل الحياة السياسية والإدارية والقضائية، من خلال خدمة المواطن، واختيار الكفاءات المؤهلة، وتغليب المصالح العليا للوطن والمواطنين، والترفع عن المزايدات والحسابات الضيقة.

ثانيا، توجيهات وزارة الداخلية التي تسير في نفس الاتجاه. وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت دعا في أكثر من مناسبة إلى التحلي بحسن الإنصات، وتجسيد مبدأ القرب تجاه المواطنين، والبحث عن الحلول المناسبة للمشاكل المطروحة، والقدرة على استشراف الحاجيات والانتظارات الملحة للمواطن. بل وذهب أبعد حين أكد أن الغاية هي المساهمة في تحسين ظروف المعيش اليومي للمواطن، في ظل العدل والإنصاف والكرامة الإنسانية.
فهل تحسين ظروف العيش يتم بالكلاش اليومي؟ وهل الجدية هي تحويل السياسة إلى حلبة ملاكمة فايسبوكية؟
القانون نفسه يجيب. القانون التنظيمي 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية لا يعترف بالحزب كصفحة فايسبوكية، بل كمؤسسة دستورية مهمتها تأطير المواطنين وتكوينهم والمشاركة في ممارسة السلطة عبر برامج. والقانون 27.11 المتعلق بمجلس النواب، وحتى تعديله الأخير 53.25، يربط الترشح بالكفاءة وتخليق الحياة العامة، بل إن مشروع القانون 54.25 الذي قدمه لفتيت بالبرلمان يهدف صراحة إلى تطوير الإطار القانوني وضبط إجراءات تأسيس الأحزاب لوضع حد لحوانيت انتخابية بلا هياكل.
تطوان اليوم لا تحتاج إلى من يشرح لها من هو سبب أزمتها، فهي تعرف أزمتها جيدا، تطوان تحتاج إلى من يملك الشجاعة ليقدم لها مشروعا يحول مطارها المهجور إلى رافعة سياحية، وميناءها إلى قطب تجاري، وشبابها العاطل إلى مقاولات صغرى منتجة. أما الشعبوية الرقمية فهي تزيد من الإقصاء إقصاء، لأنها توهم المواطن بأن الصراخ هو الحل، بينما الحل هو ما قاله الملك: الجدية، وما قاله لفتيت: الإنصات والحلول.