الرباط – مع بدء الأحزاب السياسية في حسم أسماء مرشحيها للاستحقاقات المقبلة، يعود النقاش حول معايير التزكية وتجديد النخب وتمكين الشباب إلى الواجهة، في ظل استمرار ظاهرة استقطاب أسماء من خارج التنظيمات الحزبية، مقابل تراجع فرص عدد من أعضاء الشبيبات الحزبية الذين راكموا سنوات من العمل التنظيمي والميداني.
ويعيد هذا الوضع طرح ما بات يعرف بـ**«الميركاتو الانتخابي»**، وما إذا كان انفتاح الأحزاب على الكفاءات الجديدة يشكل رافعة لتجديد الحياة السياسية، أم أنه قد يأتي أحياناً على حساب المناضلين الذين بنوا مسارهم داخل التنظيمات الحزبية.
- الانفتاح على الكفاءات مقابل تثمين المناضلين
وتعتبر أصوات حزبية أن استقطاب الكفاءات من خارج التنظيمات لا ينبغي النظر إليه باعتباره ممارسة سلبية في حد ذاته، باعتبار أن الحزب السياسي يفترض أن يكون مؤسسة مفتوحة على المجتمع وقادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.
غير أن هذا الانفتاح، في المقابل، يطرح ضرورة الحفاظ على قيمة المدرسة الحزبية، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب الذين أمضوا سنوات في التأطير والعمل التنظيمي والتواصل المباشر مع المواطنين.
ويُنظر إلى هذا الرصيد باعتباره جزءاً من رأس المال السياسي للأحزاب، لما يوفره من تجربة في العمل الميداني وفهم القضايا المحلية وممارسة المسؤولية داخل المؤسسات والتنظيمات.
- الكفاءة والاستحقاق في صدارة معايير التزكية
ولا يرتبط النقاش فقط بمصدر المرشح، سواء كان من داخل الحزب أو وافداً جديداً، وإنما بمعايير اختياره وقدرته على تحمل مسؤولية التمثيل السياسي.
وتبرز ضمن المعايير المطروحة الكفاءة والنزاهة والاستحقاق والالتزام والقدرة على التواصل والإنصات للمواطنين، إلى جانب امتلاك القدرة على تحويل انتظاراتهم إلى برامج ومقترحات قابلة للتنفيذ.
فالتزكية الانتخابية لا تعني مجرد وضع اسم في لائحة المرشحين، وإنما تمثل مسؤولية وتعاقداً مع الناخبين، وهو ما يجعل جودة النخب المنتخبة جزءاً أساسياً من تقييم أداء الأحزاب بعد الاستحقاقات.
- الشباب بين التأطير وصناعة القرار
ويتزامن هذا النقاش مع تخليد عيد الشباب، الذي يعيد إلى الواجهة مسألة المشاركة السياسية للأجيال الصاعدة، خصوصاً في ظل استمرار عزوف نسبة مهمة من الشباب عن المشاركة في الحياة السياسية، سواء من خلال التصويت أو الترشح.
ويواجه الشباب المنخرطون داخل الأحزاب تحدياً إضافياً يتمثل في الانتقال من مواقع التأطير والعمل التنظيمي إلى مواقع القرار والتمثيلية، إذ لا تزال مسألة منحهم تزكيات انتخابية وفتح المجال أمامهم لتولي مسؤوليات أكبر موضع نقاش داخل عدد من التنظيمات.

ويعتبر فاعلون حزبيون أن التعامل مع الشباب باعتبارهم مستقبل السياسة فقط لم يعد كافياً، مؤكدين أن حضورهم في مواقع المسؤولية ينبغي أن يكون جزءاً من الحاضر السياسي، لا وعداً مؤجلاً إلى المستقبل.
- «الميركاتو الانتخابي» يثير أسئلة حول تجديد النخب
وفي الوقت الذي ترى فيه بعض الأحزاب أن استقطاب شخصيات جديدة يساهم في تجديد الدماء واستقطاب كفاءات قادرة على تقديم إضافة نوعية، تبرز مخاوف من أن يتحول هذا الانفتاح إلى مجرد تنافس على أسماء لها حضور انتخابي، بعيداً عن بناء نخب سياسية جديدة بشكل مستدام.
كما يطرح انتقال بعض المرشحين بين الأحزاب، أو دخول أسماء جديدة إلى السباق الانتخابي دون مسار حزبي طويل، أسئلة حول مدى قدرة التنظيمات على الحفاظ على مناضليها وتحفيزهم على الاستمرار في العمل السياسي.
وتزداد حدة هذه الإشكالية في المناطق التي ما تزال فيها الحسابات الانتخابية التقليدية مؤثرة، حيث قد تتراجع أحياناً معايير الكفاءة والبرامج أمام اعتبارات انتخابية ضيقة.
- نحو ديمقراطية داخلية أوسع
ويضع هذا الواقع الأحزاب أمام مسؤولية مزدوجة: الانفتاح على الكفاءات الجديدة، وفي الوقت نفسه ضمان الإنصاف تجاه الأطر والمناضلين الذين راكموا تجربة داخل التنظيمات.
ويُطرح في هذا السياق تعزيز الديمقراطية الداخلية ومأسسة معايير التزكية كمدخل لتحقيق قدر أكبر من تكافؤ الفرص، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب والنساء والكفاءات التي تراهن على الانتقال من العمل التنظيمي إلى مواقع المسؤولية.
فالرهان الحقيقي لا يرتبط فقط بعدد المرشحين الشباب الذين ستقدمهم الأحزاب، وإنما بمدى قدرتها على منحهم مسؤوليات فعلية وإدماجهم في صناعة القرار.
- تجديد النخب.. اختبار للأحزاب في المرحلة المقبلة
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يبدو أن ملف تجديد النخب سيتحول إلى أحد أبرز الاختبارات التي ستواجه الأحزاب، ليس فقط من خلال الأسماء التي ستقدمها، وإنما أيضاً عبر البرامج والكفاءات التي ستضعها في الواجهة.
فنجاح أي حزب لن يقاس فقط بحجم الأصوات التي سيحصل عليها، وإنما كذلك بقدرته على تقديم نخب قادرة على ممارسة السياسة باعتبارها مسؤولية وخدمة عمومية، والاستجابة لانتظارات المواطنين، والتفاعل مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية.
وبين استقطاب الكفاءات والحفاظ على المدرسة الحزبية وتمكين الشباب، تفرض الاستحقاقات المقبلة على الأحزاب إعادة النظر في آليات صناعة نخبها، بما يعيد الثقة في العمل السياسي ويمنح الأجيال الجديدة موقعاً فعلياً في صناعة القرار، بعيداً عن الحضور الموسمي أو الرمزي.