الأحرار يرفعون سقف الوعود.. 27 جامعة و1600 مركز صحي وتعميم مدارس الريادة إلى 2031
م.ب
في وقت تتجه فيه الاستحقاقات الانتخابية المقبلة إلى جعل جودة الخدمات العمومية محورًا أساسيًا في النقاش السياسي، وضع حزب التجمع الوطني للأحرار قطاعي التعليم والصحة في صدارة برنامجه للفترة الممتدة بين 2026 و2031، مقدمًا حزمة من الالتزامات التي تستهدف، وفق تصوره، تحسين جودة المدرسة العمومية وتقريب الخدمات الصحية من المواطنين وتقليص الفوارق المجالية.
وكشف الحزب، خلال لقاء بالرباط، عن مجموعة من الأهداف ذات الطابع الكمي والزمني، تشمل تعميم نموذج مؤسسات الريادة بمختلف الأسلاك التعليمية، والحد من الهدر المدرسي، وتوسيع النقل والمطاعم المدرسية، إلى جانب رفع عدد الجامعات وتعزيز التكوين المهني. وفي القطاع الصحي، يراهن البرنامج على تأهيل مؤسسات الرعاية الصحية الأولية، وتوسيع العرض الطبي بالمناطق النائية، واعتماد طبيب الأسرة والطب عن بعد كرافعتين لتحسين الولوج إلى العلاج.
- مدارس الريادة في صدارة إصلاح التعليم
يرتكز التصور الذي قدمه الحزب على توسيع تجربة مؤسسات الريادة لتشمل مختلف مراحل التعليم المدرسي. ويستهدف البرنامج تعميم المدارس والإعداديات الرائدة بحلول سنة 2028، على أن يمتد النموذج إلى التعليم الثانوي التأهيلي في أفق 2031، بالتوازي مع هدف خفض معدلات الهدر المدرسي إلى النصف.
ويأتي هذا التوجه في سياق توسع تجربة مؤسسات الريادة داخل المنظومة التعليمية، باعتبارها إحدى الآليات التي تراهن عليها السلطات العمومية لتحسين التعلمات الأساسية، ومعالجة التعثر الدراسي، وتعزيز مواكبة التلاميذ داخل المؤسسات العمومية.
وفي هذا الإطار، أكد وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، محمد سعد برادة، أن وتيرة تنزيل النموذج في التعليم الإعدادي تتواصل، مشيرًا إلى أن الهدف يتمثل في استكمال تعميمه خلال السنوات المقبلة، مع الانتقال تدريجيًا إلى السلك الثانوي التأهيلي.
ولا يقتصر التصور المقترح على الجانب البيداغوجي، إذ يربط الحزب بين جودة التعلم والظروف الاجتماعية والمادية المحيطة بالتلميذ. ولهذا يلتزم بتوسيع النقل المدرسي في المناطق القروية، والسعي إلى تعميم المطاعم المدرسية لفائدة أطفال التعليم الأولي والابتدائي العمومي، بما يهدف إلى الحد من العوامل التي قد تدفع الأسر إلى إخراج أبنائها من المدرسة.
كما يتضمن البرنامج توفير دعم دراسي فردي بالاستعانة بالتقنيات التعليمية الحديثة والذكاء الاصطناعي، في محاولة للانتقال من الدعم الجماعي إلى مواكبة أكثر استهدافًا لحاجات كل متعلم.
- التعليم الأولي والنقل المدرسي.. رهان على تكافؤ الفرص
يضع البرنامج تعميم التعليم الأولي وتجويده ضمن الأهداف الأساسية للمرحلة المقبلة، مع السعي إلى ضمان استفادة الأطفال في سن التعليم الأولي من خدمات تربوية أكثر انتظامًا وجودة.
ويبرز النقل المدرسي بدوره كإحدى الأدوات المقترحة لمعالجة التفاوتات بين المجالين الحضري والقروي، خصوصًا في المناطق التي يضطر فيها التلاميذ إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المؤسسات التعليمية.
ويطرح الحزب في هذا السياق تصورًا يرمي إلى تقليص الاعتماد على الداخليات تدريجيًا، على أن تستمر هذه المؤسسات في استقبال الحالات التي تحول ظروفها الجغرافية أو الاجتماعية دون التنقل اليومي.
أما الاكتظاظ، فيدخل ضمن الملفات التي يتعهد البرنامج بمعالجتها تدريجيًا، من خلال تحسين توزيع الموارد والبنيات التعليمية، بهدف الوصول إلى ظروف تمدرس أفضل في مختلف الأسلاك.
- من 12 إلى 27 جامعة
على مستوى التعليم العالي، يقترح الحزب توسيع الخريطة الجامعية الوطنية من خلال رفع عدد الجامعات من 12 إلى 27 جامعة، في خطوة تستهدف، وفق البرنامج، تعزيز العدالة المجالية وتقريب التعليم العالي من الطلبة في مختلف جهات المملكة.
ويتقاطع هذا التوجه مع التزام آخر يتعلق باستكمال إنشاء 12 مدينة للمهن والكفاءات، بما يهدف إلى تعزيز مسارات التكوين وربطها بحاجات سوق الشغل.
وتطرح هذه الأهداف تحديًا مرتبطًا ليس فقط بإحداث مؤسسات جديدة، وإنما أيضًا بضمان جودة التكوين والموارد البشرية والبنيات الجامعية وقدرة المؤسسات الجديدة على توفير تكوينات تستجيب للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية.

- الصحة.. من تأهيل المراكز إلى طبيب الأسرة

في القطاع الصحي، يقدم الحزب تصورًا يقوم على تعزيز الرعاية الصحية الأولية وتقريب الخدمات من المواطنين، خصوصًا في المناطق القروية والجماعات التي تعاني نقصًا في الأطر والبنيات الطبية.
ويتضمن البرنامج تأهيل 1600 مؤسسة للرعاية الصحية الأولية، وإحداث 200 مؤسسة صحية جديدة في المناطق التي تعرف خصاصًا، إلى جانب نشر 100 وحدة طبية متنقلة موجهة أساسًا إلى المناطق المعزولة.
وتأتي هذه الالتزامات في سياق ورش وطني أوسع لإعادة تنظيم المنظومة الصحية وتعزيز مؤسسات الرعاية الأولية والمجموعات الصحية الترابية، بما يجعل نجاح المرحلة المقبلة مرتبطًا بمدى قدرة الإصلاحات على الانتقال من بناء الهياكل إلى تحسين الخدمة الصحية اليومية للمواطن.
- طبيب الأسرة في قلب المسار العلاجي
ومن أبرز الوعود التي تضمنها البرنامج اعتماد طبيب الأسرة باعتباره عنصرًا محوريًا في مسار العلاج، بما يسمح بتقوية الرعاية الأولية وتوجيه المرضى داخل المنظومة الصحية قبل الانتقال، عند الضرورة، إلى مستويات علاجية أكثر تخصصًا.
كما يراهن الحزب على نشر نحو 5000 عون صحة في المناطق القروية والجماعات التي تفتقر إلى طبيب مقيم، بهدف سد جزء من الخصاص وتقريب الخدمات الأساسية من السكان.
ويستهدف البرنامج، في الجانب المتعلق بالموارد البشرية، رفع الكثافة الصحية من نحو 30 إلى 45 مهني صحة لكل 10 آلاف نسمة بحلول سنة 2030، وهو هدف يرتبط بشكل مباشر بقدرة المنظومة على استقطاب وتكوين وتوزيع الأطر الصحية بشكل أكثر توازنًا بين مختلف الجهات.
- الطب عن بعد وتخفيف كلفة العلاج
ويحتل الطب عن بعد موقعًا ضمن التصور الصحي للحزب، خصوصًا في المناطق التي يصعب فيها الوصول المنتظم إلى الأطباء والمتخصصين. ويقترح البرنامج إرساء 100 محطة للطب عن بعد، مع ربط هذه الخدمة بمسار التغطية الصحية.
وفي الجانب المالي، يتعهد الحزب بالتدرج في اعتماد نظام الأداء من طرف الغير، إلى جانب مراجعة أسعار الأدوية وتحيين جداول التعويض عن العلاجات، بهدف الحد من النفقات التي تتحملها الأسر عند الولوج إلى الخدمات الصحية.
ويكتسي هذا الجانب أهمية خاصة، بالنظر إلى أن توسيع التغطية الصحية لا يرتبط فقط بتوفير التأمين، وإنما كذلك بقدرة المواطنين على تحمل الجزء المتبقي من تكاليف العلاج والأدوية والاستفادة الفعلية من الخدمات المتاحة.
- أربع مدن تستقبل مراكز استشفائية جامعية جديدة
ويشمل التصور الصحي استكمال بناء أربعة مراكز استشفائية جامعية جديدة في بني ملال وكلميم والراشيدية والدار البيضاء، مع استهداف استكمالها في أفق 2029.
كما يراهن الحزب على تعميم المجموعات الصحية الترابية بحلول سنة 2027، بما يفترض أن يساهم في تنظيم مسارات العلاج داخل الجهات وربط مؤسسات الرعاية الصحية الأولية بالمستشفيات الإقليمية والجامعية.
ويأتي ذلك ضمن خطة استثمارية صحية تمتد إلى ما بعد بداية الولاية، وتجمع بين تطوير البنيات التحتية، وتعزيز الموارد البشرية، وإدماج الحلول الرقمية، وتحسين آليات تمويل العلاج.
- وعود كبيرة واختبار أصعب في التنفيذ
وتضع هذه الالتزامات التعليم والصحة أمام اختبار مزدوج: القدرة على تحقيق الأهداف المعلنة داخل الآجال المحددة، وضمان أن يتحول التوسع الكمي في المؤسسات والخدمات إلى تحسن ملموس في جودة التعليم والعلاج.
ففي التعليم، لا يتوقف نجاح تعميم مدارس الريادة على توسيع عدد المؤسسات، وإنما يرتبط بجودة التكوين والتأطير والدعم التربوي وظروف التمدرس والقدرة على الحد من الهدر والاكتظاظ. وفي الصحة، لا يكفي إحداث مراكز جديدة أو رفع عدد المهنيين ما لم يواكب ذلك توزيع عادل للأطر وتحسين مسار العلاج وتقليص كلفة الخدمات على الأسر.
وبذلك يقدم حزب التجمع الوطني للأحرار برنامجه للفترة 2026-2031 باعتباره امتدادًا للإصلاحات التي انطلقت خلال السنوات الماضية، لكنه يرفع سقف الالتزامات في قطاعين يمسان الحياة اليومية للمغاربة بشكل مباشر. ويبقى الرهان الأساسي خلال المرحلة المقبلة هو الانتقال من الأهداف والأرقام المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس، يشعر المواطن بأثرها داخل المدرسة والمركز الصحي والمستشفى، وفي المدن والقرى على حد سواء.