الشعبوية في المغرب.. وعود سياسية غير محققة وأزمة ثقة تهزّ علاقة المواطنين بالأحزاب

م.ب

أعاد تنامي الخطابات الشعبوية في عدد من دول العالم النقاش حول علاقة المواطنين بالمؤسسات السياسية، ومدى قدرة الأحزاب التقليدية على الاستجابة للتحولات الاجتماعية والاقتصادية. وفي المغرب، يطرح هذا النقاش أسئلة بشأن تأثير الوعود الانتخابية غير المحققة وتراجع الثقة في العمل الحزبي على طبيعة الخطاب السياسي وأدوار الوساطة بين الدولة والمجتمع.

 

وتقوم الشعبوية، في أحد أبرز تجلياتها السياسية، على تقديم المجتمع باعتباره طرفاً موحداً في مواجهة نخب توصف بأنها مسؤولة عن الأزمات، مع اعتماد خطاب مباشر وشعارات مبسطة تعد بتقديم حلول سريعة لمشكلات معقدة. وقد تساهم هذه المقاربة في تعبئة فئات واسعة وإعادة قضايا مهمشة إلى النقاش العام، لكنها قد تثير إشكالات عندما تحل الوعود العامة محل البرامج القابلة للتنفيذ، أو عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى مواجهة تقوم على نزع الشرعية عن الأطراف الأخرى.

 

ولا ترتبط الشعبوية بمرجعية إيديولوجية واحدة، إذ يمكن أن تتخذ أشكالاً مختلفة تبعاً للسياقات الوطنية والاجتماعية. وقد ساهمت الأزمات الاقتصادية وتراجع الثقة في الأحزاب التقليدية والتحولات المرتبطة بالهجرة والعولمة في تعزيز حضور خطابات تعد بإحداث تغيير سريع، خاصة عندما يشعر المواطنون بأن المؤسسات السياسية لا تستجيب بما يكفي لانتظاراتهم.

 

ومع انتشار المنصات الرقمية، اكتسبت هذه الخطابات وسائل جديدة للوصول إلى الجمهور وتوسيع دائرة التأثير، من خلال المقاطع القصيرة والرسائل العاطفية والشعارات المكثفة. وفي بعض الحالات، أدى هذا التحول إلى اختزال النقاشات السياسية في سجالات شخصية، على حساب مناقشة البرامج والسياسات العمومية وتقييم نتائجها.

 

وفي السياق المغربي، لا يقتصر النقاش حول الشعبوية على وجود تيارات سياسية محددة، بل يمتد إلى أساليب الخطاب والتواصل التي تعتمدها بعض النخب والفاعلين السياسيين. وتشمل هذه الأساليب توظيف اللغة القريبة من الجمهور، وتقديم الذات باعتبارها بديلاً عن النخب التقليدية، أو إطلاق وعود اجتماعية واقتصادية واسعة لا تتضح دائماً شروط تنفيذها ومصادر تمويلها.

 

350 * 350

وتبرز أهمية هذا النقاش خصوصاً في ظل التحديات المرتبطة بغلاء المعيشة وفرص الشغل والخدمات الصحية والتعليمية، وهي ملفات تؤثر بصورة مباشرة على انتظارات المواطنين. فعندما تتسع الفجوة بين الوعود المعلنة والنتائج المحققة، تتزايد التساؤلات بشأن جدوى المشاركة السياسية وقدرة الأحزاب على تحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات قابلة للتنفيذ.

 

كما يطرح تراجع أدوار الوساطة الحزبية والنقابية تحدياً إضافياً، يتمثل في انتقال جزء من التعبير عن المطالب الاجتماعية إلى الفضاء الرقمي أو إلى أشكال احتجاج مباشرة. وفي مثل هذه الحالات، قد تجد المؤسسات نفسها أمام مطالب متراكمة لم تتمكن قنوات الوساطة التقليدية من تأطيرها أو نقلها بصورة منتظمة إلى مراكز اتخاذ القرار.

 

وعلى المستوى المؤسساتي، ينص الفصل 42 من الدستور المغربي على اضطلاع الملك بمهام السهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي. ويتيح هذا الإطار الدستوري، ضمن الاختصاصات المحددة، مقاربة مؤسساتية لتدبير العلاقات بين المؤسسات، غير أن معالجة أسباب تنامي الخطابات الشعبوية تظل مرتبطة أيضاً بفعالية الأحزاب والهيئات المنتخبة في أداء وظائفها التمثيلية.

 

وتقتضي مواجهة آثار الخطابات القائمة على الوعود غير الواقعية تعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب، وتجديد النخب على أساس الكفاءة، وتطوير البرامج الانتخابية بالاستناد إلى أهداف واضحة ومؤشرات قابلة للقياس. كما تبرز أهمية ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتعزيز الشفافية، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية، بما يدعم ثقة المواطنين في المؤسسات.

 

ويظل للإعلام والمجتمع المدني دور في توسيع النقاش العمومي وتقديم المعلومات الدقيقة، وتعزيز التربية الإعلامية والرقمية، بما يساعد المواطنين على التمييز بين الوعود السياسية والالتزامات القابلة للتنفيذ، وبين النقد المشروع للمؤسسات والخطابات التي تعتمد التضليل أو نشر المعلومات غير الموثوقة.

 

وفي المحصلة، يضع تنامي الخطابات الشعبوية الأحزاب والمؤسسات أمام تحدي استعادة الثقة عبر الممارسة والإنجاز، وليس من خلال الشعارات وحدها. فكلما توفرت قنوات فعالة للتمثيل السياسي والمساءلة، واتضحت العلاقة بين الوعود والنتائج، اتسعت إمكانات تدبير الاختلاف داخل المؤسسات والحد من تحوله إلى أزمة ثقة مستمرة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.