كشف المجلس الأعلى للسلطة القضائية عن تفاقم الضغط على محكمة النقض بالمغرب، في ظل الارتفاع المتواصل لعدد الطعون المعروضة عليها، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يستدعي تدخلاً قانونياً عاجلاً، بدل الاكتفاء بالرفع من عدد القضاة لمواجهة تراكم الملفات.
وأفادت المعطيات المتعلقة بحصيلة سنة 2025 بتسجيل 60 ألفاً و35 طعناً جديداً أمام محكمة النقض، أضيفت إلى 46 ألفاً و549 ملفاً متبقياً من السنة السابقة، ليرتفع مجموع القضايا الرائجة خلال السنة إلى 106 آلاف و584 ملفاً.
ورغم تمكن المحكمة من البت في 54 ألفاً و49 قضية خلال الفترة نفسها، فقد ظل 52 ألفاً و535 ملفاً دون حكم مع نهاية السنة، وهو ما يعكس حجم التحديات التي تواجهها المؤسسة في معالجة العدد المتزايد من الطعون. كما ارتفع عدد الملفات المتبقية بنحو ستة آلاف مقارنة بالسنة السابقة، رغم زيادة عدد القضايا التي جرى البت فيها بأكثر من ألف ملف.
واستحضر المجلس نماذج من أنظمة قضائية أجنبية تعتمد ضوابط لتنظيم الولوج إلى محاكم النقض، بهدف تفادي تحولها إلى درجة ثالثة للتقاضي، موضحاً أن عدد الطعون المسجلة بمحكمة النقض المغربية بلغ 48 ألفاً و210 ملفات سنة 2024، مقابل 20 ألفاً و739 ملفاً في فرنسا و9 آلاف وواحد في ألمانيا خلال السنة ذاتها، وفق الأرقام التي أوردها التقرير.
- الرفع من عدد القضاة لا يكفي
وفي مواجهة هذا الوضع، أوضح المجلس أنه اتخذ، بتنسيق مع إدارة محكمة النقض، تدابير استعجالية شملت تعزيز الموارد البشرية وتوسيع عدد الهيئات القضائية. وانتقل عدد قضاة المحكمة من 187 قاضياً سنة 2014 إلى 232 قاضياً سنة 2025، بزيادة بلغت نحو 24 في المائة.

غير أن هذه التدابير، بحسب تقييم المجلس، تظل حلولاً جزئية وظرفية لا تعالج أسباب تراكم الملفات من جذورها، مشيراً إلى أن مواصلة زيادة عدد القضاة كلما ارتفع حجم الطعون قد تؤثر على تنظيم المحكمة وفعاليتها وعلى قدرتها على أداء وظيفتها الأساسية.
وحذر المجلس من أن استمرار المنحى الحالي خلال السنوات الخمس المقبلة قد يرفع عدد قضاة محكمة النقض إلى أكثر من 300 قاض، وهو ما قد يطرح تحديات مرتبطة بتدبير الغرف والهيئات القضائية، وتنسيق العمل بينها، وضمان استقرار الاجتهاد القضائي وتوحيده.
كما نبه إلى أن زيادة عدد القضاة قد تستدعي توسيع تركيبة بعض الهيئات من خمسة مستشارين إلى سبعة أو ثمانية، الأمر الذي سيرفع حجم العمل الواقع على رؤساء الغرف، خصوصاً في ما يتعلق بدراسة الملفات المحجوزة للمداولة ومناقشتها، والتي قد يصل عددها إلى نحو 40 ملفاً أسبوعياً.
- دعوة إلى إصلاح قانوني عاجل
واعتبر المجلس أن استمرار ارتفاع عدد الطعون دون اتخاذ تدابير قانونية لمعالجة الإشكال سيؤدي إلى مزيد من تراكم الملفات، حتى مع تعزيز الموارد البشرية، مؤكداً ضرورة البحث عن حلول تنظيمية وتشريعية تضمن توجيه محكمة النقض نحو مهامها الأساسية، وتحد من الطعون التي لا تستوفي شروط القبول أو لا تستند إلى أسباب قانونية كافية.
ويأتي هذا التحذير في سياق النقاش بشأن فعالية مساطر الطعن بالنقض، باعتبار أن دور المحكمة لا يقتصر على إعادة النظر في النزاعات، بل يشمل أيضاً مراقبة سلامة تطبيق القانون والمساهمة في توحيد الاجتهاد القضائي.
وفي محور آخر من حصيلة العمل القضائي خلال سنة 2025، أورد المجلس أن قسم جرائم الإرهاب بمحكمة الاستئناف بالرباط أصدر 168 مقرراً، توزعت بين 90 مقرراً ابتدائياً و78 مقرراً استئنافياً، مع تسجيل نسبة احترام للآجال الاسترشادية بلغت 100 في المائة. وتختص هذه المحكمة بالنظر في هذا النوع من القضايا على الصعيد الوطني، من خلال قسم متخصص يمتد اختصاصه إلى مجموع التراب المغربي.
وتبرز هذه المعطيات تفاوت التحديات التي تواجهها مكونات المنظومة القضائية، بين احترام الآجال في القضايا المعروضة على القسم المتخصص في جرائم الإرهاب، والضغط المتزايد الناتج عن تراكم الطعون أمام محكمة النقض، وهو ما يعيد إلى الواجهة الحاجة إلى إصلاح قانوني وتنظيمي يوازن بين حق التقاضي وفعالية العدالة وجودة الاجتهاد القضائي.