أعادت حالات الإصابة بداء الخناق، المعروف بـ«الدفتيريا»، المسجلة مؤخراً في عدد من مناطق المغرب، ملف التلقيح إلى الواجهة، وسط دعوات من أطباء ومختصين إلى مراجعة الدفاتر الصحية للأطفال والمراهقين، واستكمال الجرعات الناقصة للحد من انتشار العدوى ومضاعفاتها الخطيرة.
وتأتي هذه التطورات بعد تسجيل وفيات وإصابات في سلا والعرائش، إلى جانب بؤر عائلية سبق رصدها بجهة سوس ماسة. كما أفادت تقارير صحية بوفاة طفل بمدينة القصر الكبير، ليرتفع عدد الوفيات المبلغ عنها في الحالات الأخيرة إلى ثلاثة أطفال على الأقل، وفق المعطيات المنشورة إلى غاية 28 أكتوبر 2026.
وتكمن خطورة الدفتيريا في كونها عدوى بكتيرية تصيب أساساً الحلق والأنف، وقد تؤدي إلى مضاعفات خطيرة نتيجة السموم التي تنتجها البكتيريا، خصوصاً على مستوى القلب والأعصاب. وينتقل المرض أساساً عبر الرذاذ التنفسي، وقد تبدأ أعراضه بالحمى والتهاب الحلق وصعوبة البلع، قبل أن تتطور في الحالات الخطيرة إلى تورم الرقبة أو صعوبات التنفس.
أطباء يدعون إلى مراجعة دفاتر التلقيح
أكد مولاي سعيد عفيف، طبيب الأطفال وعضو اللجنة العلمية للتلقيح، أهمية استكمال الجرعات المقررة للوقاية من الدفتيريا، موضحاً أن الأعراض الأولى للمرض قد تتشابه مع أعراض التهابات الجهاز التنفسي الأخرى، ما يجعل التشخيص المبكر أمراً ضرورياً.
وأشار عفيف إلى أن المرض قد يؤدي إلى تكوّن أغشية سميكة في الحلق تعيق التنفس، فضلاً عن مضاعفات ناجمة عن السموم البكتيرية التي يمكن أن تؤثر على أعضاء حيوية. وشدد على أن التلقيح يظل الوسيلة الأساسية للوقاية، داعياً الأسر إلى التأكد من استكمال أبنائها جميع الجرعات الموصى بها.
ويشمل البرنامج الوطني للتلقيح بالمغرب ثلاث جرعات أولية خلال الأشهر الأولى من عمر الطفل، تليها جرعتان معززتان في سن 18 شهراً وخمس سنوات. كما تكتسي الجرعات التذكيرية اللاحقة أهمية في الحفاظ على الحماية، وفق التوصيات الطبية المعتمدة.
وفي هذا السياق، حثّ الطبيب الأسر التي تشك في استكمال أطفالها جدول التلقيح على التوجه إلى أقرب مركز صحي أو استشارة الطبيب المعالج لتحديد الجرعات المطلوبة، وفق السن والوضعية التلقيحية لكل طفل.

تراجع التغطية التلقيحية يثير مخاوف المختصين
من جهته، اعتبر الطيب حمضي، الطبيب الباحث في النظم والسياسات الصحية، أن عودة ظهور الدفتيريا تبرز أهمية الحفاظ على تغطية تلقيحية مرتفعة، موضحاً أن تراجع الحماية لدى بعض الفئات يمكن أن يسمح بظهور بؤر جديدة للعدوى، حتى في البلدان التي أصبح فيها المرض نادراً بفضل التلقيح.
وأشار حمضي إلى أن بعض الأسر تحرص على تلقيح الأطفال خلال السنة الأولى من العمر، لكنها قد تغفل الجرعات المعززة المقررة في مراحل لاحقة، داعياً إلى مراجعة الدفاتر الصحية وعدم افتراض استمرار الحماية دون استكمال الجرعات الموصى بها.
وأضاف أن التأخر في التلقيح لا يعني بالضرورة ضرورة البدء بالجدول من جديد، إذ يمكن تدارك الجرعات الناقصة وفق برنامج مناسب يحدده المهنيون الصحيون بناءً على عمر الشخص وتاريخه التلقيحي، حتى في حالة ضياع الدفتر الصحي.
وشدد الباحث على أن مواجهة المرض لا تقتصر على مسؤولية الأسر، بل تتطلب أيضاً استمرار حملات التوعية، وضمان توفر اللقاحات، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الصحية والتعليمية، إلى جانب تتبع المخالطين للحالات المكتشفة واتخاذ التدابير الوقائية المناسبة.
أعراض تستدعي استشارة طبية عاجلة
ودعا المختصون إلى عدم الاستهانة بأعراض مثل التهاب الحلق المصحوب بالحمى وصعوبة البلع، خاصة عند ظهور أغشية سميكة في الحلق أو تورم ملحوظ في الرقبة أو صعوبات في التنفس. وتستدعي هذه العلامات تقييماً طبياً عاجلاً، خصوصاً مع عودة تسجيل حالات المرض.
كما تشمل الإجراءات الوقائية غسل اليدين بانتظام، وتهوية الفضاءات المغلقة، واحترام قواعد النظافة التنفسية، وتجنب المخالطة القريبة عند الاشتباه في الإصابة إلى حين الحصول على التوجيه الطبي.
وتعيد عودة الدفتيريا إلى الواجهة أهمية استمرارية برامج التلقيح، وعدم الاكتفاء بالجرعات الأولى خلال الطفولة، مع ضرورة اعتماد المعلومات الصادرة عن السلطات الصحية والمهنيين المختصين لتفادي الشائعات والتعامل مع الوضع بوعي ومسؤولية.