
قراءة في تداعيات التصويت الأممي الأخير، والتحولات الدبلوماسية المحيطة بمبادرة الحكم الذاتي، وانعكاساتها على مستقبل الجبهة ومخيمات تندوف
تفتح التطورات التي شهدها مجلس الأمن الدولي بشأن قضية الصحراء مرحلة جديدة من المسار السياسي للنزاع، في ظل تعثر اعتماد مشروعي القرار الأمريكي والروسي خلال جلسة 30 أكتوبر 2026، وانتهاء ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء «المينورسو» دون التوصل إلى اتفاق بشأن تمديدها.
وفي قراءة لهذه المستجدات، اعتبر محمد بنطلحة الدكالي، مدير المركز الوطني للدراسات والأبحاث حول الصحراء وأستاذ علم السياسة بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن نتائج التصويت تعكس تحولات في مواقف أعضاء مجلس الأمن، خصوصاً في ما يتعلق بموقع مبادرة الحكم الذاتي المغربية ضمن الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية سياسية للنزاع.
وأوضح بنطلحة أن المشروع الأمريكي حصل على تأييد 11 عضواً، قبل أن تستخدم روسيا حق النقض لإسقاطه، فيما لم يتمكن المشروع الروسي البديل من الحصول على الدعم الكافي لاعتماده. ويرى أن هذه النتائج تحمل دلالات سياسية تتعلق باتساع التأييد الدولي للمقاربة التي تستند إلى المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مقابل استمرار الخلاف حول آليات تدبير الملف أممياً.
وأضاف أن انتهاء ولاية البعثة في 31 أكتوبر يطرح تساؤلات بشأن مستقبل دور الأمم المتحدة في المنطقة، وطبيعة الآليات التي يمكن اعتمادها خلال المرحلة المقبلة لمواصلة المساعي الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي.
- المغرب يسعى إلى إعادة توجيه المسار الأممي
وفي ما يتعلق بالموقف المغربي من التطورات الأخيرة، أبرز بنطلحة أن بلاغ الديوان الملكي عكس توجهاً نحو إعادة النظر في طريقة تدبير النزاع داخل المؤسسات الأممية، من خلال الدفع باتجاه طي الملف سياسياً، وتوسيع التحرك الدبلوماسي على المستويين الثنائي والإقليمي.
وأشار إلى أن المغرب يواصل التأكيد على التزامه بالاستقرار واحترام وقف إطلاق النار، بالتوازي مع التشبث بوحدته الترابية والاستعداد للدفاع عن أمنه الوطني.
واعتبر المتحدث أن المرحلة الحالية تقتضي الانتقال من تدبير النزاع عبر تجديد الآليات الأممية بشكل دوري إلى البحث عن تسوية سياسية نهائية، تستند إلى المبادرة المغربية للحكم الذاتي، مع إشراك الأطراف المعنية في المفاوضات.
وفي هذا السياق، استحضر القرار الأممي رقم 2797 الصادر سنة 2025، الذي جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، مع التأكيد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف، بما ينسجم مع مبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
- الدعم الدولي ومشاريع التنمية يعززان الحضور المغربي
وعلى مستوى التحركات الدبلوماسية، ربط بنطلحة موقع المغرب في المرحلة الراهنة بتنامي مواقف دولية داعمة لمبادرة الحكم الذاتي، مستحضراً مواقف الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وبريطانيا، وما تعكسه من تطور في التعاطي الدولي مع مقترح التسوية المغربي.
كما اعتبر أن الحضور المؤسساتي والاقتصادي في الأقاليم الجنوبية يشكل عنصراً أساسياً في تعزيز المقاربة المغربية، بالنظر إلى المشاريع التنموية والاستثمارات التي تستهدف تطوير البنيات التحتية وتحسين الخدمات الأساسية وخلق فرص الشغل.
وفي هذا الإطار، توقف عند مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، الذي يندرج ضمن الأوراش الاستراتيجية الرامية إلى تعزيز الربط البحري والتجاري بين المغرب وعمقه الإفريقي، إلى جانب الطريق السريع تزنيت–الداخلة، والمشاريع الصناعية المرتبطة بفوسبوكراع، والاستثمارات في الطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر.
ويرى بنطلحة أن هذه المشاريع لا تقتصر على بعدها الاقتصادي والاجتماعي، بل تكتسي أهمية استراتيجية بالنظر إلى ارتباطها بالمبادرة الملكية الرامية إلى تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، وتعزيز المبادلات التجارية والتكامل الاقتصادي بين بلدان المنطقة.
وأضاف أن تطوير البنيات التحتية والموانئ والطرق في الأقاليم الجنوبية يعزز موقعها باعتبارها فضاءً للتواصل الاقتصادي بين المغرب وعمقه الإفريقي، ويدعم حضور المملكة في المبادرات الإقليمية والدولية.
- تمثيلية الصحراويين تفتح نقاشاً جديداً حول دور البوليساريو
وفي مقابل هذه التحولات، يرى بنطلحة أن جبهة البوليساريو تواجه تحديات متزايدة على مستوى تمثيلية الصحراويين، خصوصاً مع بروز مطالب بتوسيع دائرة الأطراف والشخصيات المشاركة في المشاورات المتعلقة بمستقبل المنطقة.
وأشار إلى أن المقترحات الأمريكية المتعلقة بإشراك شخصيات وفعاليات صحراوية من داخل الأقاليم الجنوبية ومخيمات تندوف والمهجر تفتح المجال أمام تعددية في التعبير عن المواقف، بدل الاقتصار على الأطراف التقليدية المنخرطة في المسار التفاوضي.
واعتبر أن هذا التوجه قد يحد من ادعاء البوليساريو احتكار تمثيل الصحراويين، خصوصاً في ظل ظهور حركات وفعاليات سياسية تتبنى مقاربات مختلفة بشأن مستقبل النزاع.
ومن بين هذه التنظيمات، أشار إلى حركة «صحراويون من أجل السلام»، التي تضم شخصيات سبق أن ارتبطت بالبوليساريو، وأصبحت تدعو إلى المشاركة في المسار السياسي والبحث عن تسوية تفاوضية تقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ويرى المتحدث أن تنامي حضور هذه الأصوات في النقاشات الدولية يعكس تعدد المواقف داخل الأوساط الصحراوية، ويعزز المطالب الرامية إلى إشراك أطراف جديدة في أي مسار تفاوضي مقبل.
- مشاريع تشريعية أمريكية تثير مخاوف بشأن مستقبل الجبهة
ومن بين التطورات التي توقف عندها بنطلحة المبادرات التشريعية المطروحة داخل الكونغرس الأمريكي، والمتعلقة بفرض عقوبات على جبهة البوليساريو في حال تعاونها مع تنظيم إرهابي مرتبط بإيران.
ويتعلق الأمر بمشروعي القانونين S.4063 وH.R.9982، اللذين طُرحا أمام مجلس الشيوخ ومجلس النواب خلال سنة 2026، ويستهدفان إقرار عقوبات في حال تحقق شرط التعاون المحدد في نصيهما.
واعتبر بنطلحة أن طرح هذه المبادرات يعكس تصاعد الاهتمام داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية بالتحركات المرتبطة بالجبهة وعلاقاتها المحتملة بتنظيمات مسلحة، مشيراً إلى أن إقرار مثل هذه التدابير قد تكون له انعكاسات على أنشطتها وشبكات الدعم المرتبطة بها.
وأضاف أن تداعيات أي إجراءات عقابية محتملة قد تتجاوز التنظيم نفسه، لتشمل الأفراد والجهات التي يثبت ارتباطها بالأنشطة المشمولة بالعقوبات، وفقاً للقوانين الأمريكية المعمول بها.
وفي هذا السياق، يرى المتحدث أن طبيعة العلاقة بين البوليساريو والجزائر تجعل أي تطورات قانونية أو مالية مرتبطة بالجبهة محط اهتمام إقليمي ودولي، خصوصاً في ظل استمرار احتضان الجزائر لقيادتها ومخيمات تندوف.
- مخيمات تندوف ومسؤولية حماية السكان
وفي ما يتعلق بالوضع الإنساني والقانوني داخل مخيمات تندوف، شدد بنطلحة على ضرورة معالجة الإشكالات المرتبطة بحرية التنقل والحقوق الأساسية للسكان، معتبراً أن استمرار الوضع الحالي يستدعي توضيح المسؤوليات القانونية والإنسانية للجهات المعنية.
وأشار إلى أن حماية السكان تقتضي ضمان الطابع المدني للمخيمات، وتوفير حرية الحركة والاختيار، وتمكين الأفراد من اتخاذ قراراتهم بشأن مستقبلهم دون إكراه أو ضغوط.
كما أثار مسألة تدبير المساعدات الإنسانية وضرورة تعزيز آليات المراقبة والشفافية، بما يضمن وصولها إلى المستفيدين الفعليين، ويحول دون أي اختلالات في توزيعها أو استغلالها.
واعتبر أن الجزائر، باعتبارها الدولة التي تقع المخيمات فوق أراضيها، تتحمل مسؤوليات تتعلق بضمان حماية السكان وتيسير عمل المؤسسات الإنسانية الدولية، إلى جانب توفير الظروف الملائمة لاحترام حقوقهم الأساسية.
- الإحصاء الفردي لسكان المخيمات مطلب أساسي
ومن بين الملفات التي وصفها بنطلحة بالمهمة، مسألة الإحصاء الفردي لسكان مخيمات تندوف، باعتبارها خطوة ضرورية لتحديد هوياتهم وأوضاعهم القانونية وضمان حقوقهم الإنسانية.
وأوضح أن غياب تسجيل فردي شامل يطرح إشكالات تتعلق بتحديد الأعداد الحقيقية للسكان، وتقييم احتياجاتهم، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى مستحقيها.
ويرى أن تمكين المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين من القيام بعملية تسجيل دقيقة وشاملة من شأنه تعزيز الشفافية، وتوفير معطيات موثوقة بشأن الوضع الإنساني والاجتماعي داخل المخيمات.
كما شدد على أهمية ضمان حرية الاختيار أمام السكان، سواء تعلق الأمر بالعودة الطوعية أو الاندماج أو غير ذلك من الحلول المعتمدة في القانون الدولي لحماية اللاجئين.
- تحركات أممية وإفريقية مرتقبة لحسم الملف
وعلى مستوى الخطوات الدبلوماسية المقبلة، اعتبر بنطلحة أن المغرب مطالب بمواصلة التحرك داخل مختلف المؤسسات الدولية والإقليمية، والعمل على تحويل الدعم السياسي الذي تحظى به مبادرة الحكم الذاتي إلى مواقف وقرارات عملية.
وأوضح أن إنهاء ولاية المينورسو لا يعني تلقائياً إخراج قضية الصحراء من جدول أعمال مجلس الأمن، كما أن إنهاء تناول الملف داخل الأمم المتحدة يختلف قانونياً ومؤسساتياً عن رفع الإقليم من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
وأضاف أن المرحلة المقبلة تقتضي تكثيف العمل الدبلوماسي داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة ولجنتها الرابعة، إلى جانب مواصلة التحرك داخل الاتحاد الإفريقي بشأن وضع الكيان الذي تمثله البوليساريو داخل المنظمة القارية.
ويرى المتحدث أن توسيع دائرة الدول الداعمة للمقترح المغربي من شأنه تعزيز فرص الدفع نحو تسوية سياسية، خصوصاً إذا اقترن بتوافقات دولية حول الخطوات العملية التي ينبغي اعتمادها لإنهاء النزاع.
- تسوية سياسية أم استمرار التعقيدات؟
وفي استشرافه للمرحلة المقبلة، يرى بنطلحة أن التطورات الأخيرة تفتح المجال أمام إعادة ترتيب المسار السياسي، في اتجاه مفاوضات أكثر تركيزاً على مبادرة الحكم الذاتي، بمشاركة الأطراف المعنية، وفي مقدمتها الجزائر.
واعتبر أن استمرار الخلافات السياسية قد يؤدي إلى إطالة أمد النزاع، غير أن التحولات الدبلوماسية والمؤسساتية تفرض، بحسب تقديره، مراجعة المقاربات السابقة والبحث عن حلول عملية تستجيب لمتطلبات التسوية.
كما شدد على أهمية الحفاظ على الاستقرار ووقف إطلاق النار، وتفادي أي تصعيد ميداني من شأنه تعقيد المسار السياسي أو التأثير على الأمن الإقليمي.
وخلص بنطلحة إلى أن المرحلة الحالية تمثل اختباراً لقدرة التحركات الدبلوماسية على ترجمة المكتسبات السياسية إلى نتائج ملموسة، مؤكداً أن الوصول إلى تسوية نهائية يظل رهيناً بتوفر إرادة سياسية لدى الأطراف المعنية، والانخراط في مفاوضات جدية تستند إلى مقترحات قابلة للتطبيق.
وتبقى قضية الصحراء أمام مرحلة جديدة تتداخل فيها الحسابات الدبلوماسية والتطورات الأممية والرهانات الإقليمية، في وقت تتواصل فيه الجهود الرامية إلى إيجاد حل سياسي دائم ينهي النزاع ويفتح آفاقاً أوسع للاستقرار والتنمية في المنطقة.